بقلم خلود وتار قاسم

كاتبة وناشطة سياسية
في المجتمعات الحضارية، لا يُنظر إلى الإعلام بوصفه مساحة مفتوحة بلا ضوابط، بل باعتباره أداة سيادية شديدة الحساسية، قادرة على البناء كما على الهدم. فالكلمة، حين تُترك بلا مسؤولية، تتحول من وسيلة تنوير إلى سلاح تفكيك.
الدول التي نجحت في بناء استقرارها السياسي والاجتماعي لم تفعل ذلك عبر الفوضى الإعلامية، ولا عبر تسويق التفاهة، ولا عبر فتح شاشاتها لكل من هبّ ودبّ بحجة الحرية. على العكس، هذه الدول وضعت أطرًا واضحة لما يُبث، لا لتكميم الأفواه، بل لحماية المجتمع، الوعي العام، والسلم الأهلي.
في لبنان، جرى التلاعب طويلًا بمفهوم الحرية.
تحوّلت الحرية الإعلامية من حق ديمقراطي إلى فوضى منظمة، ومن مساحة مساءلة إلى منصة تحريض، ومن نقاش عام إلى سوق دجل وشعوذة، ومن إعلام وطني إلى أبواق حزبية وطائفية تتغذى على الخوف والانقسام.
الديمقراطية التي نطمح إليها لا تُقاس بعدد البرامج الصاخبة، ولا بجرأة الألفاظ، ولا بكسر التابوهات الأخلاقية أو الاجتماعية.
الديمقراطية الحقيقية تُقاس بـ:
وعي المواطن
قدرة المجتمع على النقاش العقلاني
احترام التعدد من دون تحويله إلى صراع
وحماية الأمن القومي من الاختراق الناعم
ما نشهده اليوم ليس تنوعًا إعلاميًا، بل تفككًا مقصودًا للوعي.
برامج تُسوّق الخرافة على أنها معرفة،
وتلمّع الدجالين على أنهم قادة رأي،
وتعطي منابر لمن يعبث بالنسيج الاجتماعي،
ويُقدَّم كل ذلك تحت عنوان «حرية التعبير».
لكن أي حرية هذه التي تُنتج مجتمعًا أكثر خوفًا، أكثر جهلًا، وأكثر قابلية للتلاعب؟
الدول الحضارية تضع خطوطًا حمراء واضحة:
لا يُسمح ببث محتوى يحرّض على الكراهية
لا يُسمح بترويج الجهل والخرافة
لا يُسمح بتدمير القيم العامة باسم الترفيه
ولا يُسمح للإعلام بأن يصبح أداة بيد قوى سياسية أو خارجية لضرب الاستقرار
وهنا بيت القصيد:
حرية الإعلام لا تعني تهديد الأمن القومي.
ولا تعني ضرب الثقة بين المواطن ودولته.
ولا تعني تفكيك الهوية الوطنية وتحويل الناس إلى جماعات متصارعة.
ما جرى في لبنان لم يكن صدفة.
انهيار الإعلام الوطني، وصعود الإعلام الحزبي، لم يكونا نتيجة ضعف فقط، بل خيارًا سياسيًا واعيًا.
فالإعلام الوطني يوحّد،
أما الإعلام الطائفي فيُحكم السيطرة عبر الخوف والانقسام.
لقد تعلّم العالم، بعد تجارب قاسية، أن الحرب لم تعد عسكرية فقط.
هناك حرب ناعمة، أخطر، تُخاض عبر الشاشات،
تُفرّغ الإنسان من وعيه،
وتحوّله إلى تابع،
وتُقنعه بأن مشكلته في «الآخر» لا في من يحكمه.
من حق اللبنانيين أن يطالبوا بإعلام حر.
لكن من واجبهم أيضًا أن يطالبوا بإعلام مسؤول.
إعلام يحترم عقل الناس، لا يستخفّ به.
إعلام يُسائل السلطة، لا يخدمها.
إعلام يبني الدولة، لا يهدمها باسم الديمقراطية.
فالديمقراطية ليست فوضى.
والحرية ليست انتحارًا جماعيًا.
والإعلام، إن لم يُضبط بالقانون والأخلاق الوطنية،
يصبح أخطر من أي سلاح.