بقلم خلود وتار قاسم

كاتبة وناشطة سياسية
لم أعد أعرف من هم الجالسون في الصفّ الأوّل لهذه الاجتماعات العالمية المغلقة، ولا ما هي الأرضيّة الحقيقية التي يجتمعون فوقها، ولا من يقف خلفهم فعليًا، من الحاكم؟ ومن صاحب القرار؟ ومن يضع السقف الذي لا يُسمح بتجاوزه؟
لكن ما بات واضحًا، وبلا أي التباس، أنّ هذه اللقاءات لا تُعقد من أجل البشرية جمعاء، ولا دفاعًا عن الإنسان، ولا حمايةً للسلم العالمي كما يُسوَّق في البيانات الختامية.
إنها تُعقد من أجل الهيمنة. نحن أمام نظام عالمي لم يعد يشعر بالحاجة إلى التخفّي. الدكتاتورية الجديدة لم تعد ترتدي أقنعة الديمقراطية ولا لغة القيم.
صارت وقِحة، مباشرة، واثقة من قدرتها على فرض خياراتها، لأن ميزان القوّة يميل لصالحها، ولأن الشعوب أُنهكت، وفُكّكت، وجُرّدت من أدوات الرفض.
ما نشهده اليوم ليس فوضى عشوائية، بل إدارة دقيقة للفوضى. إعادة هندسة للوعي، وتطويع للإعلام، وتوجيه للاقتصاد، وتفريغ لمفهوم السيادة من مضمونه الحقيقي.
الغزاة لم يعودوا يأتون بالدبابات وحدها، بل بالقرارات العابرة للقارات، بالعقوبات «القانونية»، بالشروط المالية، وبتصنيفات تُسقِط دولًا وترفع أخرى.
الإنسان لم يعد محور النظام العالمي، بل تفصيلًا قابلًا للتضحية. والدول لم تعد تُقاس بقدرتها على حماية شعوبها، بل بمدى انصياعها لمنظومة المصالح الكبرى.
الأخطر من كل ذلك، أنّ الإطار الذي يفترض أن يحمي البشرية قد انهار.
القانون الدولي بات انتقائيًا، العدالة صارت خاضعة لموازين القوّة، وحقوق الإنسان تُستدعى حين تخدم، وتُغيب حين تُزعج.
لسنا أمام صراع حضارات، ولا صدام أديان، ولا معركة قيم. نحن أمام صراع على النفوذ، تُستخدم فيه كل هذه العناوين كأدوات.
السؤال لم يعد، من يحكم العالم؟
بل، هل ما زالت هناك قدرة جماعية على كبح هذا التوحّش؟ وهل تستطيع الشعوب أن تستعيد وعيها قبل أن تُستكمل عملية الإلغاء بهدوء؟
التاريخ يُعلّمنا أن الهيمنة، مهما بدت مطلقة، ليست أبدية.
لكن ما لا يرحمه التاريخ هو صمت الضحايا، وتواطؤ الخائفين،وتبرير العاجزين.
في هذا الزمن، المعركة الأولى ليست عسكرية ولا اقتصادية، بل معركة وعي. ومن يخسرها، لن يملك لاحقًا حقّ السؤال.