بقلم عقل العويط

كاتب
شكرًا لكلّ اللواتي والذين يحبّون فيروز، ويتألّمون لألمها، ويعزّونها. وخصوصًا منهنّ ومنهم الذين يؤثرون أنْ يفعلوا ذلك بوقار، بتهيّب، بخشوع، بصمت، بدون ضجيج، ولا سيمّا بدون استعراضات إعلاميّة.
وإذا كان لا أحد يستطيع أنْ يقف في وجه المصائر والأقدار، فإنّ كثيرين في مقدورهم أنْ يفعلوا ما لم يُفعَل حتّى الآن، قيامًا بالواجب، وتكريمًا متواضعًا لفيروز في حياتها.
فليكن عمركِ طويلًا، يا ستّ فيروز. كالأرز.
فيروز، على كلّ حال، لا تريد شيئًا. وفيروز لا تريد أنصابًا وتماثيل ونياشين. وهي بالأحرى، لا تطلب شيئًا. لا مادّيًّا، ولا معنويًّا.
لا شيء البتّة. ومطلقًا.
لكنْ على الصعيد الرمزيّ والمعنويّ، يمكن فعل الكثير الكثير. وكثرٌ يستطيعون فعل الكثير.
في مقدّم هؤلاء القادرين، رئيس الجمهوريّة، نعم رئيس الجمهوريّة.
ومجلس الوزراء، نعم مجلس الوزراء.
ووزيرنا للثقافة طبعًا.
وبلديّة بيروت بالطبع. نعم البلديّة.
في ما مضى، حاول الكثرُ العملَ على “تحرير” المنزل الأوّل الذي ولدت فيه فيروز، وفيه عاشت طفولتها، وشبابها، في منطقة زقاق البلاط، البطريركيّة.
الغرفة لا تزال موجودة. المطبخ أيضًا. والبناء برمّته، لمَن يعرف، ولمَن لا يعرف، أو يتجاهل، أو يتلكّأ، أو يتغاضى، قائمٌ في مكانه.
لكنّ العقار يأكله الإهمال. والنسيان. والشوك. ويكاد يتداعى.
ويجب أنْ لا يبقى على هذه الحال.
عيبٌ أخلاقيّ، وثقافيّ، وفنّيّ، ووطنيّ، أنْ يظلّ على ما هو.
المسألة لا تحتاج إلى لفّ ودوران. ولا إلى التذرّع بهذه العقبة أو تلك.
ثمّة عراقيل؟ نعم. ثمّة “شربكات”؟ نعم.
الحلّ يكون بوضع اليد عليه باسم الدولة اللبنانيّة. قانونيًّا.
كيف؟ أهل القانون، والعاملون في الدوائر العقاريّة، والمجلس الأعلى للتنظيم المدنيّ، ومديريّة الآثار، يعرفون كيف يمكن “تخليص” معاملات من هذا النوع.
الأمر لا يحتاج إلى أعجوبة. يحتاج فقط إلى إرادة. وقرار. وتنفيذ.
رئيس الجمهوريّة، رئيس الحكومة، ومجلس الوزراء، ووزير الثقافة، يستطيعون أنْ يتّخذوا قرارًا، ويصدروا مرسومًا فوريًّا في هذا الشأن.
زرت البيت قبل فترة، صحبة السيّدة ريما شحادة والمخرج السينمائيّ بهيج حجيج.
قال لنا البيت: لماذا لا تفعلون شيئًا عملانيًّا من أجل “تحرير” هذا المكان قانونيًّا، بوضع اليد عليه، وشرائه من الدولة، ليكون من أملاكها المادّيّة والمعنويّة.
ويكون وقفًا. وإرثًا وطنيًّا. ويكون متحفًا.
أكرّر: فيروز لا تطلب شيئًا. ولا تريد شيئًا.
لا أريد أنْ “أعلّم” على أحد، ولا أنْ أعلّم أحدًا، لكنّي أقترح على رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء دعوة الحكومة إلى الانعقاد فورًا لوضع هذا المشروع موضع التنفيذ الفوريّ.
ولأنّ صوت فيروز ولد هنا، ومرّ من هنا، واجب الجمهوريّة، وتعزية متواضعة لها في حياتها، فلنجعل بيتها في زقاق البلاط متحفًا للذاكرة الوطنيّة وبيتًا للإنسانيّة جمعاء.
كادر مع المقال : للعلم والخبر
كان صدر قرارٌ عن وزارة الثقافة الرقم 74، 29 تموز 2010، يقضي بوقف أيّ محاولات لهدم المبنى الرقم 2783/2018 وإدخاله في الجرد العام (يتألّف من عقارين، 565 و567 يشكّلان وحدة هندسيّة وثقافيّة متكاملة نظرًا إلى صلتهما بتاريخ العمارة العثمانيّة وفيروز والذاكرة الجماعيّة والشعبيّة المدينيّة). تبعه مرسوم عن مجلس الوزراء الرقم 812 للحفاظ على الأبنية التراثيّة عن مجلس الوزراء برئاسة تمّام سلام، 16 تشرين الأوّل 2014، أقرّ استملاك العقارين. على أنْ يتمّ دفع تعويضات هذه العمليّة من الاعتمادات المفتوحة لهذه الغاية في موزانة بلديّة بيروت، ضمن مهلة ثماني سنوات من تاريخ صدور القرار. انتهى مفعول المرسوم هذا في العام 2022، من دون أن يتحقّق أيّ شيء.
وفي وقت لاحق، أصدر وزير الثقافة السابق محمد وسام مرتضى قرارا أدرج فيه بيت فيروز في زقاق البلاط على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخيّة بهدف الحفاظ عليه ومنع انهياره والتخطيط لجعله متحفًا يوثّق سيرة فيروز الفنّيّة والتراثيّة.
للعلم والخبر، ولمَن يهمّه الأمر، تملك “النهار” كلّ الأوراق والوثائق اللّازمة التي تخصّ هذا الملفّ، وتيسّر سلوكه الإداريّ والقانونيّ إلى حيّز التنفيذ.
راجع “النهار” 10 تشرين الأوّل، 2018
- مقال عقل العويط بعنوان “النهار تملك ملفًّا كاملًا وتقترح على رئاسة الجمهوريّة خريطة طريق لإنجاز المشروع/ لأنّ صوت فيروز ولد هنا ومرّ من هنا فلنجعل بيتها في زقاق البلاط متحفًا للذاكرة الوطنيّة والانسانيّة”.
- مقال أكرم الريّس ومازن حيدر بعنوان “المرسوم 812: الملف الهارب والزمن الضائع”.