السفينة تغرق والمعركة أصبحت مع الداخل

في «شقائق النعمان»، لم يكن دريد لحّام يكتب نصًا مسرحيًا للتسلية… كان يكتب شهادةً مُبكّرة على مصير أوطانٍ تُستنزف من الداخل، قبل أن يكتمل حصار الخارج عليها. وكأن الكلمات خرجت من جرحنا اللبناني تحديدًا:

وطنٌ كبير… تشدّه الغربة. أمةٌ وتاريخ… ندوّر على الهوية. نغنّي للوحدة… ونعيش التشتّت حتى داخل بيتنا الواحد. خيرٌ كثير… وجوعٌ أكثر. عماراتٌ ترتفع… ومشرّدون يتكاثرون. وفوق كل هذا… بردٌ في الروح، لا في الطقس فقط.

هذه ليست صورًا شعرية فحسب، بل حقيقة سياسية: حين تصبح الدولة مجرّد واجهة، ويُصبح المواطن وقودًا لصراعات لا تنتهي، تتحوّل المفاهيم الكبرى إلى قناع: «سيادة»، «مقاومة«، «إصلاح»… بينما الحقيقة أن الناس تُسحق كل يوم باسم هذه الشعارات.

قالها دريد لحّام بوضوح: «المعركة أصبحت مع الداخل».

والداخل ليس فقط فقرًا أو سوء إدارة… الداخل هو ثقافة تبرير الخراب، هو تحويل السياسة إلى حقد، وتحويل الاختلاف إلى عداوة، وتحويل الطائفية إلى قدر. الداخل هو أن «كلّكم عندكم حق»… لكن لا أحد يرى الوطن.

والأشد وجعًا: أننا نأكل من أحلامنا. كل لقمة نبلعها… تُشبه قطعةً تُقتطع من مستقبل أولادنا.

وفي الوقت نفسه، تُبنى قصورٌ من قهرنا، وتُصنع ثرواتٌ من انكسارنا، ويُدار البلد كغنيمة لا كبيت. لكن العبارة الأهم تبقى إنذارًا أخيرًا: «إذا غرقت السفينة كلنا رح نغرق».

لا حزب ينجو وحده. لا طائفة تعبر وحدها. ولا زعيم ينجو فوق جثة وطن. التاريخ القديم كُتب وتشوّه. والحاضر يُكتب الآن بوجعنا. أما المستقبل… فهو صفحة بيضاء. إمّا نكتبها معًا بوطنٍ واحد… أو نتركها للآخرين كي يكتبوها عنا.

اخترنا لك