بقلم عقل العويط

كاتب
“السعادة يا سيّدتي، ليست شيئًا عظيمًا. إنّها فحسب الأسى مستريحًا. أو نائمًا. فلنحرص، إذن، على عدم إيقاظه”، “ليو فيرّي”.
العالم من أقصاه إلى أقصاه، يوقظ الأسى في معانيه ومراتبه كافّة، ولا سيّما بتعميم الظلم والعنف والقتل والفساد والتشييء والتوحّش والحيونة وذبح الأنسنة. فكيف تسألينني هل الحياة تجعلني سعيدًا؟ والشعر؟ والحبّ…؟
تسألينني فأضحك متفاديًا. أضحك بلامبالاة. بسخرية. باستخفاف. باستفزاز. هل يجب أنْ أقول لكِ إنّ السؤال ساذج، ومثير للشفقة، ولا محلّ له من الإعراب. أظنّ فقط أنّكِ غريبةٌ عن أورشليم حياتي. بل غريبةٌ عن أورشليم الحياة مطلقًا.
أيستطيع العاقل أنْ يكون سعيدًا؟ ما بعرف. لكنّي أعتقد أنْ -لا- في العمق. كلّ سعادة هي استثناء. وجوابًا عن سؤالكِ: لا. لستُ سعيدًا، يا سيّدتي. ولا أعرف أكون سعيدًا. جلّ ما في الأمر، أنّي أنسى أحيانًا. وأنام. وأحلم. وأكتب. وأقرأ. وأُحبّ. وأعبث. وأتزعرن. فأتلهّى. وألهو. فيعتقد الناس أنّي سعيد. دليلهم أنّي متماسكٌ. وهادئٌ. ومبتسمٌ حينًا. وأشتغل. وأمشي خمسة كيلومترات في اليوم. وأتنزّه مع كوبر.
عندما يكون لي ذلك “وهو يكون” ، ربّما يستريح أسايَ، وحزني، وشجني، والترح، وانسحاق القلب، والغصّة، والكمد، والضنى، والضنك، والهمّ، والكرب، والغمّ، والجوى، والجزع، والحسرة، والغمّة، والكدر، والشجى، واللوعة…
أتسمّين هذه “الاستراحة”، وذاك “النوم”، سعادةً؟! إذا كان الأمر كذلك، فنحن متّفقان. غير ذلك، لا، يا سيّدتي. يكاد يستحيل بالعقل والقلب أنْ يكون المرء سعيدًا، إلّا إذا كان بِلا دماغ، بِلا عقل، وبِلا قلب. لا أقلّل الاحترام حيال الناس “السعداء”، لكنّ اعتقادي أنّ الشرط البشريّ برمّته قائمٌ على المعادلة النافية للسعادة. الوجود الأرضيّ من آدم الأوّل إلى الآن واقعٌ في هذا الفخّ الأزليّ – الأبديّ، ويدور في حلقةٍ مفرغة.
أكرّر : السعادة استثناء.
أنتَ متشائم ويائس، تقولين؟! لا. لستُ متشائمًا ولا يائسًا البتّة. ولستُ عدميًّا. بل عقلانيّ، واقعيّ، ومكتّر.
العشبة، هل تعتقدين العشبة سعيدة؟! الوردة؟ العصفور؟ الشجرة؟ الغيمة؟ أو الموتى؟ أريد برهانًا يجعلني أسدّ بوزي، وأعيد النظر في اقتناعاتي الوجوديّة.
أتحتجّين بسعادة إيلون ماسك، ودونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وعلي خامنئي، وحافظ الأسد، وبشّار، وهولاكو، والقذّافي، وبوكاسّا، وعيدي أمين دادا، وجوزف ستالين، وأدولف هتلر، وبول بوت، وكيم إيل سونغ، وابنه، وحفيده، وماو تسي تونغ، وروبرت موغابي، وهيروهيتو، وصدّام، وأوغستو بينوشيه، ورافائيل تروخيو، ومانويل نورييغا…؟
أتحتجّين بسعادة أصحاب البنوك؟ بسعادة رجال الأعمال؟ صنّاع الأسلحة؟ مهرّبي الأطفال؟ حرّاس المقابر الجماعيّة؟ مبيدي الشعوب الأصليّة؟ ومانعي حقّ تقرير المصير؟
إنّهم حقًّا سعداء. لكنْ عيبٌ أنْ تحتجّي بهذا النوع من السعادة. هذه السعادة الهمجيّة المتوحّشة الماحقة، أتعدّينها سعادة؟! شكرًا لكِ، لأنّكِ تفعلين.
ماذا؟! القدّيسون؟ والملائكة؟ والشهداء؟ والزهّاد؟ والنسّاك؟ والمؤمنون؟ عال. لستُ قدّيسًا، ولستُ ملاكًا، ولستُ شهيدًا، ولستُ زاهدًا، ولستُ ناسكًا، ولستُ أدري، فكيف سعيدًا أكون؟!
ثمّ، مَن قال إنّ هؤلاء هم سعداء فعلًا، ولو أكّدوا كذلك؟! العشّاق سعداء؟ والشعراء؟ مين قلّك؟! الله يعينهم. كنتُ عشيقًا وعاشقًا ومعشوقًا، ولم أكن سعيدًا. ولا المرأة كانت كذلك.
ولا أزال عاشقًا ومعشوقًا وشاعرًا، وسأبقى، ولستُ سعيدًا.
إذا جيء بأحدهم سعيدًا، فهو إمّا استثناء، وإمّا تعاسته نائمة، مخدَّرة، منوّمة، وإمّا يضحك على نفسه، أو سيضحك بعد قليل. مش عارفين شو ناطرهم.
لا أرى أمامي سوى ما أرى أمامي من تعاسات العالم. السعادة استثناء. والحياة هي الأسى “ومرادفاته”، آخِذًا قيلولته، على رأي ليو فيرّي. وعندما يفعل… فلا توقظوه. رجاءً لا توقظوه.
هذه هي المعادلة: إنّه يأخذ قيلولته. فلا توقظوووووه!