بقلم خلود وتار قاسم

كاتبة وناشطة سياسية
نعيش اليوم مرحلة خطيرة في تاريخ المجتمعات، حيث لم تعد مفاهيم الوطن، السيادة، السلام، والحق مسلّمات ثابتة، بل تحوّلت إلى عناوين فضفاضة يُعاد تشكيلها وفق مصالح الأقوى. لم يعد الصراع صراع قيم، بل صراع روايات.
ومن ينتصر ليس من يمتلك الحق، بل من ينجح في تسويقه وإقناع الرأي العام به.
الوطن لم يعد يُعرَّف كهوية جامعة وذاكرة مشتركة، بل كمساحة نفوذ تُدار من الخارج أو تُستثمر من الداخل. السيادة لم تعد قرارًا وطنيًا مستقلًا، بل مفهومًا مرنًا يُستخدم عند الحاجة ويُعلّق عند التعارض مع مصالح القوى المتحكمة.
حتى السلام، الذي يفترض أن يكون نهاية العنف، أصبح أداة سياسية تُستخدم لتكريس موازين قوة غير عادلة، لا لإنهاء الصراع.
الأخطر أن الحق نفسه لم يعد مرجعية أخلاقية، بل مادة تفاوض. تُبرَّر الجرائم تحت عناوين أمنية، وتُغلف الهيمنة بلغة إنسانية، ويُطلب من الشعوب أن تصدّق الرواية لا الواقع. هكذا تتحوّل المفاهيم الكبرى إلى أدوات تضليل، ويُختزل وعي المجتمعات في شعارات مصمَّمة سلفًا.
في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: من نكون نحن؟ وهل دورنا أن نكون متلقّين سلبيين، أم شهود زور، أم مواطنين يمتلكون جرأة المواجهة الفكرية؟ المرحلة المقبلة لا تحتمل الحياد، لأن الحياد في زمن تزوير المعاني هو انحياز ضمني للأقوى.
دورنا اليوم هو استعادة المعنى، لا ترداد الخطاب. حماية مفهوم الوطن من التحويل إلى صفقة، والسيادة من التفريغ، والسلام من التوظيف، والحق من النسبية القاتلة. هذه معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسة، ومن يخسر الوعي يخسر كل شيء.