عائلة المير و نعيم قاسم وموازنة الدولة : سقوط المبنى من سقوط المعنى

بقلم غسان صليبي

سقط المبنى على رؤوس عائلة المير في منطقة القبة في طرابلس. أُنقذ بعض افرادها ومات البعض الآخر. عمّ الحزن ارجاء البلاد ومعه الغضب على الإهمال اللاحق بالأحياء الفقيرة في مدينة أغنى أغنياء لبنان.

رأينا صورة أَليِسار في الصحف، وهي إبنة العائلة التي كانت تعمل ممرضة والتي طال البحث عنها وبقيت مفقودة تحت الركام. تعلق بها اللبنانيون وتمنوا لها النجاة، وراحت عيونهم تبحث عنها من بعيد. كما تجمّع كثيرون من اهالي طرابلس يراقبون تطور عملية البحث عنها لحظة بلحظة. لكنها للأسف أنتشلت جثة هامدة بعد طول انتظار.

ايام قليلة بعد انهيار المبنى القى نعيم قاسم خطابه معلناً وقوف حزبه مع إيران في نزاعها مع اميركا، واستعداده للموت من أجل الدفاع عنها وعن مرشدها الخامنئي. الانتقادات التي وجّهت لنعيم قاسم بعد خطابه طالت ولاءه لدولة خارجية واستعداده للتضحية بالشيعة وبلبنان كرمى لعيونها.

لا جديد في اعلان قاسم تبعية حزبه للولي الفقيه الايراني، فهذا معروف منذ زمن بعيد، وقد سبقه نصرالله واعترف بذلك علناً وبفخر، ولأكثر من مرة. كما ان لا جديد في مدلول ما قاله، فشعار “بالروح، بالدم ، نفديك يا فلان”، وهو ما كرره قاسم على طريقته، قد سبقته اليه كافة جماهير الاحزاب المذهبية الاساسية في لبنان الذين رفعوا الشعار ولا يزالون يرفعونه من وقت لآخر. ربما كان الجديد الوحيد هو تحويل قاسم هذا الشعار من تعبير عن العصبية المذهبية وولائها المطلق لزعيمها، الى واجب ديني يتجاوز العصبيات المحلية الى البعد الإقليمي.

الولاء المطلق للزعيم والإستعداد للموت من أجل أن يبقى هو حياً، والذي ذكّرنا به نعيم قاسم، يطرح تساؤلاً مؤلماً حول انهيار المبنى في القبة، رغم التعاطف الشعبي مع الضحايا.

المبنى والمعنى هما ركنا اللغة العربية الأساسيان. المبنى يمثل الهيكل المادي للكلمة بينما المعنى هو المفهوم الدلالي الذي تحمله: انهما الشكل والجوهر، القالب والمضمون. اذا استعرنا مفهومي المبنى والمعنى في ترابطهما في اللغة، نتساءل كيف لا يسقط المبنى في طرابلس، بعد أن سقط معناه الذي هو اهمية حياة ساكنيه بالمقارنة مع حياة الزعماء؟

عندما سقط المبنى، تركّزت الأنظار على الابنية الكثيرة المهددة بالإنهيار، وكيفية الحؤول دون ذلك معمارياً ومالياً. وترافق ذلك مع تحميل الدولة المسؤولية عما حصل، أكانت ممثلة ببلدية او حكومة او نواب المنطقة.

فماذا عن هذه الدولة المطلوب منها معالجة مشكلات الناس ومن بينها انهيار الابنية على رؤوسهم؟ هذه عينة عن ممارساتها بمناسبة مناقشة واقرار موازنة ٢٠٢٦ في المجلس النيابي، والتي تلت مباشرة انهيار المبنى في طرابلس وخطاب نعيم قاسم:

– الموازنة التي اعدتها الحكومة غاب عنها سياسة اقتصادية ومالية واضحة ومعلنة، وهي طُرحت بدون قطع حساب. اي انها موازنة بدون ماضٍ ولا مستقبل.
– ليس في الموازنة ملامح خطة حماية اجتماعية، فهمّها الأول هو المحافظة على “صفر عجز”، مع الإبقاء على مراعاة أصحاب الرساميل في ضرائبها وتوزيعها للإنفاق.
– جرت مناقشات الموازنة على وقع اعتصامات حاشدة نظمتها روابط القطاع العام والتعليم الرسمي ومتقاعدي القوى العسكرية. وقد وعدت الحكومة بدراسة مطالب الروابط بعد إقرار الموازنة، مع انه كان مطلوباً منها معالجة الامر من ضمن حسابات الموازنة، وعلى أثر حوار إجتماعي مع المعنيين.
– معظم قيادات هذه الروابط تتبع تنظيمياً لبعض اطراف السلطة، وهي لطالما اقدمت او احجمت في تحركاتها على وقع صراعات اطراف السلطة في ما بينها.
– نواب احزاب ممثلة في الحكومة يصوّتون ضد الموازنة، مخالفين مبدأ التضامن الحكومي كشرط أساسي للإداء الحكومي المتناسق، ومتنصلين عن تحمل المسؤولية عن السياسات المتبعة.
– نائب ينتقد وزير المالية الذي يمثل حزبه في الحكومة بسبب امتناعه عن الالتزام بقرارات مالية لم تُدرس مفاعيلها بعد، لكنه يصوّت مع الموازنة.
– نواب حزب يتهم الحكومة بالتبعية لأميركا وبالتحامل عليه وعلى بيئته، يصوّت مع الموازنة.

في استعارة أخرى من مفهومَي المبنى والمعنى في علاقتهما في اللغة، كيف نعوّل على الدولة كمبنى مؤسساتي، في مجال معالجة خطر سقوط الابنية المتصدّعة، بعد أن سقط معنى الدولة في حكومة غير متضامنة، ومجلس نيابي شعبوي وغير مسؤول، وميزانية بدون سياسة مالية واقتصادية تراعي مصالح الفئات الشعبية، وحركة مطلبية غير مستقلة عن أطراف في السلطة ورهينة الصفقات التي تُعقد دورياً في ما بينها؟.

اخترنا لك