بين الإرث اللحظة : قراءة في الظاهرة الحريرية

ليست “الظاهرة الحريرية” حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هي مرآة مكبّرة لحال لبنان اليوم.

عندما يعود اسم سعد الحريري إلى التداول، لا يعود كشخصٍ فقط، بل كاختبارٍ لذاكرةٍ مثقلة، وطائفةٍ مجروحة، ودولةٍ معلّقة بين الإرادات.

رفيق الحريري لم يكن تفصيلاً في تاريخ لبنان الحديث.

كان مشروعًا، كان رهانًا على إعادة بناء وطن خرج من الحرب منهكًا. نعم، جاء في إطار تسوية إقليمية – دولية، لكن أي زعامة في لبنان لم تأتِ خارج هذا الإطار. الفرق أنّ الرجل حاول أن يحوّل التسوية إلى ورشة بناء. وعندما اصطدمت خياراته بسقوف أعلى من قدرته، دفع حياته ثمنًا. دفع هو، ودفع لبنان معه.

منذ تلك اللحظة، لم تعد الحريرية مجرد تيار سياسي، بل أصبحت ذاكرة شهادة. لكن الذاكرة وحدها لا تبني محاضرًا.

اليوم، الحنين إلى سعد الحريري ليس فقط حنينًا إلى ابن رفيق، بل هو تعبير عن فراغ. الفراغ السني تحديدًا ليس تفصيلاً في نظامٍ يقوم على التوازنات.

عندما تغيب القيادة في طائفةٍ مؤسسة في الكيان، يختلّ ميزانٌ كامل. لذلك، فإن الشغف الشعبي ليس بالضرورة تصويتًا لبرنامج، بل صرخة بحث عن عنوان، عن غطاء، عن شعورٍ بأن هناك من يتحدث باسمهم في زمنٍ تتكسّر فيه الأصوات.

ولكن، هنا السؤال الذي لا بد أن يُقال بصراحة، هل العودة الممكنة هي عودة مشروع أم عودة اسم؟

لبنان اليوم ليس لبنان ما قبل 2019

الاقتصاد انهار، الثقة تبخّرت، النظام اهتزّ، والمنطقة تغلي بتحولات تعيد رسم خرائط النفوذ. في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن يكون الزعيم وريثًا لإرثٍ عاطفي. المطلوب أن يكون صاحب رؤية مختلفة، قادرة على تجاوز أخطاء الماضي لا إعادة تدويرها.

ولكن هل يقوى سعد الحريري؟ القدرة هنا ليست مسألة شخصية. القدرة هي مساحة يُسمح لك أن تتحرك فيها. وفي لبنان، المساحات تُرسم خارج حدوده بقدر ما تُرسم داخله.

لكن الإرادة أيضًا تُختبر: هل هو مستعد أن يكون زعيم مرحلة صعبة لا مرحلة تسويات مريحة؟ هل هو مستعد أن يصارح بيئته قبل أن يخاطب خصومه؟ هل هو مستعد أن يتحمّل كلفة قول الحقيقة في نظامٍ يقوم على المجاملات؟

المعضلة أعمق من شخص

نحن أمام سؤال مؤلم: هل نعلّق آمالنا دائمًا على فرد، أم نجرؤ على مساءلة النظام الذي يجعلنا بحاجة دائمة إلى “منقذ”؟

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للحريرية رمزية خاصة. لأنها ارتبطت بفكرة إعادة البناء، لا بفكرة الغلبة. ارتبطت بلغة الاقتصاد والانفتاح، لا بلغة العزل والانغلاق. وهذه اللغة، في زمن الانهيار، تكتسب من جديد جاذبية.

إلى الرئيس سعد الحريري، إن قرأ، الناس لا تبحث فقط عنك، بل تبحث عمّا تمثّله. تبحث عن استقرار، عن كرامة سياسية، عن شعور بأن الطائفة ليست متروكة، وأن لبنان ليس ساحةً بلا عنوان.

لكن الزمن تغيّر. والعودة “إن كانت” يجب أن تكون عودة مختلفة. أكثر استقلالًا في القرار، أكثر وضوحًا في الرؤية، وأكثر شجاعة في مواجهة الحقيقة.

أما نحن، فبين اليأس من السلطة واليأس من الشعب، يبقى خيار ثالث، أن نؤمن أن الأقدار لا تنكشف إلا لمن يحاول تغييرها.

لبنان لا يحتاج فقط إلى وريثٍ لإرث، بل إلى قائدٍ يفهم أن زمن الإرث وحده قد انتهى.

اخترنا لك