بقلم خلود وتار قاسم
@kholoudwk
في معظم الأوقات، أعترف أنني لا أفهم الأشخاص الذين يعيشون داخل فضاء السياسة.
ليس لأن السياسة معقّدة بحد ذاتها، بل لأن الإنسان داخلها يبدو ككائنٍ مزدوج الوجود: ظاهرٌ نراه، وباطنٌ لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.
نحن، كمجتمعات، نميل إلى تصديق الصورة الأولى. نرى السياسي متحدثًا باسم قضية، مدافعًا عن عقيدة، أو حاملًا مشروعًا وطنيًا. نمنحه بسرعة صفات الإيمان، الالتزام، وربما التضحية. نحتاج نفسيًا إلى أن نصدق أن من يقود الشأن العام تحركه قناعة أخلاقية، لأن البديل مرعب: أن تكون مصائر الشعوب بيد حسابات باردة لا علاقة لها بالقيم.
لكن مع مرور الوقت، يبدأ التصدّع.
نكتشف أن ما بدا عقيدة قد يكون خطابًا، وما ظننّاه إيمانًا قد يكون دورًا مُتقن الأداء. خلف الكلمات الكبيرة تختبئ شبكة مصالح، وخلف الشعارات ترتسم خرائط نفوذ، وخلف الانفعالات العاطفية تُدار حسابات دقيقة تشبه إدارة الشركات أكثر مما تشبه خدمة الأوطان.
السياسة، في حقيقتها، ليست مسرحًا للأفكار فقط، بل مسرحًا للصورة.
والسياسي الناجح ليس دائمًا من يملك الحقيقة، بل من ينجح في صناعة رواية قابلة للتصديق.
هنا تولد الأوهام.
نحن لا نرى السياسي كما هو، بل كما نحتاج أن يكون. نُسقِط عليه آمالنا وخوفنا ورغبتنا في وجود مُنقِذ. نصنع حوله هالة معنوية، ثم نُصدم عندما يتصرف كإنسان تحكمه المصلحة أو الخوف أو البقاء في السلطة. المشكلة ليست دائمًا في السياسي وحده، بل في علاقتنا النفسية بالسلطة؛ نحن نبحث عن الإيمان في مكانٍ تحكمه البراغماتية.
المرعب ليس أن بعض السياسيين يناورون “فالمناورة جزء من السياسة منذ فجر التاريخ” بل أن الفجوة بين الظاهر والباطن أصبحت هائلة إلى درجة جعلت الثقة العامة تنهار.
أصبح المواطن يعيش حالة ارتباك دائم: لا يعرف إن كان أمام قائدٍ مؤمن بقضيته أم ممثلٍ محترف يؤدي نصًا كُتب له في مكان آخر.
ومع تكرار التجارب، تتشكل ظاهرة أخطر: فقدان القدرة على التمييز.
حين يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك، تضيع الحقيقة نفسها، ويتحول المجال العام إلى مساحة رمادية لا بطل فيها ولا خائن واضح، بل أدوار متبدلة وفق موازين القوة.
ربما السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا نفهم السياسيين؟
بل: هل صُمِّمت السياسة أصلًا لكي تُفهَم؟
فالسياسة الحديثة لم تعد فقط إدارة شؤون الناس، بل إدارة إدراك الناس. تُصاغ الكلمات بعناية، تُصنع الصور، تُبنى الانطباعات، ويُترك المواطن يتعامل مع نسخة مُنتقاة من الواقع، لا مع الواقع ذاته.
لهذا نشعر أحيانًا بالخوف عندما نكتشف الباطن، ليس لأننا لم نكن نعلم، بل لأننا كنا نرفض أن نعلم.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمعات ليس البحث عن سياسيين ملائكة “فالتاريخ لم يعرفهم” بل بناء وعيٍ جماعي لا يقع أسير الأوهام، ولا يمنح ثقته المطلقة، ولا يسحبها بدافع الانفعال.
فالسياسة، حين تُفهم بلا أوهام، لا تصبح أقل قسوة… لكنها تصبح أقل خداعًا.