
كاتب
لم تكن هالة السيد نصرالله تسمح لبيئته ولخصومه على حدّ سواء، أن يصدّقوه عندما صارحهم بأنه “جندي صغير عند الولي الفقيه”. فكيف لهذا الرجل الكاريزماتي الذي حرر بلاده سنة ٢٠٠٠، ان يكون “جندياً صغيرا” يتلقى الأوامر مثل كل الجنود في جميع الجيوش؟
بيئته وثقت به وبصوابية قراراته وبحرصه على “اشرف الناس”، كما ان بعض خصومه من اللبنانيين اعتقدوا انه لا يمكنه في النهاية الا ان يحرص على بلاده وعلى شعبه ولن يتخذ قرارات الا لمصلحتهما.
شابَ هذه الثقة بعض الشكوك في حرب ٢٠٠٦ كما في حرب الاسناد، عندما تبيّن ان الرجل “لم يكن يعلم” في ٢٠٠٦ ولم يقدّر العواقب وامكانيات العدو في حرب الاسناد. لكن الشكوك بقيت محدودة في اوساط بيئته خاصة وان “النصر الإلهي” غطّى على المصائب سنة ٢٠٠٦، كما ان رفع شعار “الطريق الى القدس” ومد العون للشعب الفلسطيني الذي يتعرض للإبادة، يستحقان تحمّل كل نكبات حرب الاسناد.
جاءت الصدمة الكبرى منذ يومين عندما أطلق حزب الله الصواريخ على إسرائيل انتقاما لدماء الولي الفقيه الايراني السيد خامنئي، في حين انه لم يحرّك ساكنا لمدة سنة ونصف عندما كانت تقتل اسرائيل افراده وأبناء بيئته في اعتداءات شبه يومية.
وإذ نقارن تأثير الصواريخ بما حلّ ببيئته من قتل وتهجير مستمرَّين نتيجة ذلك، فضلاً عن ان الطريق قد فتحت بشكل كامل أمام حرب اسرائيلية أشرس من السابقة كان الجميع يتوقعها عليه وعلى لبنان، لم يعد هناك من ادنى شك ان حزب الله تلقى الاوامر من إيران ليقوم بما قام به.
حتى في سنة ٢٠٠٦ وفي حرب الاسناد كان كثيرون يعتقدون ان حزب الله ينفّذ أوامر ايرانية، لكن الصفة الانتحارية للعملية الأخيرة فاقت كل التوقعات حتى عند “أخيه الاكبر” الرئيس برّي.
التبريرات العسكرية والسياسية والاقتصادية وحتى المذهبية لا تنفع لتفسير سلوك حزب الله، فكلها لا تصب في مصلحته وفي مصلحة الشيعة، الا اذا كان خياره الوحيد لإنقاذ نفسه، هو الحرب الأهلية مع توقع انهيار النظام الايراني القريب، وهذا ما يروِّج له منذ فترة وما هددتنا به صحيفة “الإخبار” صباح اليوم.
في جميع الحالات، ما قام به “حزب الله” انتقاماً للسيد خامنئي، يقوم به أي “جندي صغير” في نظام أمره بأن يفعل، فلا قيمة لحياة الجندي ولأهله عندما تتعرض قيادة النظام للخطر، اذ ان وجود الجندي واهله هو من وجود النظام، وخاصة إذا كان النظام يستمد شرعيته من الدين ويحصّنها بالمال والسلاح.