ماذا عن “منطق الدولة” في “المنطقَين” المتناقضَين بشأن دخول “#حزب_الله” الحرب مع “#إسرائيل” ؟

بقلم غسان صليبي

تحتدم النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتعمّق في بعض المقالات التي تقارن بين سرديات الأطراف المتصارعة في لبنان، ويُستخدم فيها “منطق” و”منطق مضاد”، تأييدا او رفضاً لدخول “حزب الله” الحرب مع اسرائيل. وتدور النقاشات وكأنها تجري على منصة في ندوة او في ورشة عمل أو في جلسة في مقهى، وليس في إطار دولة يحكمها دستور وقوانين وقرارات من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وعسكرية.

الغائب الأكبر في نقاش “المنطقَين” هو “منطق الدولة”.

يُختصر النقاش بالحجج المقدّمة وبحسن ربط هذه الحجج بعضها ببعض، في علاقات سببية تجهد لأن تكون مقنعة. جانب من المشكلة في هذا النوع من النقاشات يكمن في موضوعية الحجة وفي صلابة الترابط بين السبب والنتيجة. جانب آخر في أنواع “المنطق” المستخدمة: تلك “الموضوعية” التي تستند الى وقائع والى العلاقات السببية، او تلك “الماورائية” التي تستند الى فرضيات غيبية ولا تربط النتائج بالأسباب بقدر ما تربطها بحتميات دينية أو إيديولوجية.

لكن المشكلة الأم تبقى في القدرة على “الإقناع”، اي إقناع الخصم. والخصم في اي شكل من أشكال الصراع، لا يقنعه “المنطق” وحده، بقدر ما تقنعه مراعاة مصلحته المادية او النفسية او الرمزية، او ما يعتقد انها مصلحته. وخاصة عندما يترافق النقاش مع شحنات انفعالية تغذّيها مصائب الحرب واوجاعها.

لذلك كان هذا الابتكار الإنساني السياسي العظيم، الذي عُرِف ب”الديمقراطية”، والذي إعتبر ان النقاش وحده لا يكفي لحل النزاعات الجماعية بين البشر، ومهما كانت فعالية المنطق المستخدم في عملية الإقناع، بل يحتاج الامر في نهاية الامر الى اللجوء الى التصويت والى إعتماد نتيجته، حتى لا تبقى النزاعات عالقة وتتفاعل مع الزمن، او تتحوّل الى صراع مسلّح. وقد طُبّقت هذه الديمقراطية في اطار ما يُعرف ب”الدولة”، شرط إحتكار السلاح من قبلها، والا فقدت الديمقراطية دورها في حل النزاعات بشكل سلمي.

“منطق الدولة” هو “منطق الديمقراطية” في هذه الدولة، اي منطق القرارات الصادرة بطريقة ديمقراطية عن المؤسسات الدستورية لهذه الدولة. النقاش حول ما يقوم به “حزب الله” في حربه مع اسرائيل لا يمكن ان يخرج عن “منطق الدولة” هذه، اذ تصبح المسألة وكأنها مفاضلة إيديولوجية بالمطلق بين إسرائيل-اميركا وايران، او كأنها مناظرة فكرية حول “المقاومة” بالمطلق، دون قاعدة قانونية- سياسية- اقتصادية- اجتماعية يجسّدها واقع الدولة التي يدور في اطارها النقاش.

لا يمكن “للثنائي الشيعي” الإدعاء انه لا يعترف ب”منطق الدولة” فهو جزء فاعل في مؤسساتها الدستورية التي تأخذ القرارات المنتجة لهذا “المنطق”. في المجلس النيابي كما في الحكومة كما في القضاء كما في المؤسسة العسكرية كما في الإدارات العامة، ان قوة تأثير “الثنائي الشيعي” في القرارات يتجاوز قوة تأثير المكونات الطائفية الأخرى، ربما بسبب احتكار التمثيل الشيعي من قبله، او بسبب التأثير المتراكم لسلاح “حزب الله” على احوال المجتمع بشكل عام. وبالتالي لا يمكن لل”ثنائي” ان يتنكر ل”منطق الدولة” فيما هو يبرر ما يقوم به “حزب الله”.

الذين يعارضون “حزب الله” لا ينطلقون هم أيضا وبمعظمهم للأسف، من “منطق الدولة”، بل ينغمسون بمحاججات يجرّهم اليها “حزب الله”، مثلاً حول صحة توقيت هجومه، او اذا كان يدافع عن إيران او عن لبنان، مع ان المشكلة الاساس انه لا يحق له اتخاذ قرار الحرب. الأسوأ من كل ذلك ان بعضهم ينزلق في “منطقه” الى درجة التشجيع على الاعتداءات الاسرائيلية، او على الأقل لا يبالي في مواقفه بتداعيات إعتداءات إسرائيل وتوسع احتلالها للأراضي اللبنانية.

ان ما يمليه “منطق الدولة” الذي عبّرت عنه الحكومة بصراحة، هو رفض “منطق” الجهتَين في حربهما على أرض لبنان. “لا علاقة لنا بالحرب لا من قريب ولا من بعيد” أكد رئيس الجمهورية منذ يومين. و”منطق الدولة” يعني في آن واحد تجريد “حزب الله” من سلاحه، واحتكار قرار الحرب والسلم، وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها، اي وقف إعتداءات اسرائيل وانسحابها من لبنان. وهذا “المنطق” ليس مفروضاً بل ديمقراطياً ونابعاً من قرارات حكومية وافق عليها الأكثرية الساحقة من الوزراء الذين يمثلون كافة المكوّنات المذهبية ومعظم الاتجاهات السياسية. واي استطلاع للرأي العام سيبيّن دون ادنى شك التفافاً شعبياً واسعاً حول قرارات الحكومة.

ألم يحن الوقت لكي يتحرر اللبنانيون من هذه “الثنائيات القاتلة التي تلاحقنا كاللعنة”، كما سبق ان وصفتُ خضوعنا الدائم للثنائيات القاتلة التي طالما لاحقتنا منذ نشأة دولتنا: الشرق/ الغرب؛ اسرائيل/ سوريا؛ السعودية/ ايران؛ واليوم اميركا- اسرائيل/ إيران. في التحاقهم بهذه “الثنائيات” دفع اللبنانيون من أرواحهم وارزاقهم ثمن تبعيتهم، وانهارت دولتهم ويكاد يسقط وطنهم.

يبقى الأهم ان تتكلم الدولة نفسها ب”منطق الدولة” والا تتلعثم من وقت لآخر. و”منطق الدولة” يجب أن يكون أساس الحوار بين اركانها، وتحديداً بين الرؤساء الثلاثة. على الرئيس برّي ان يحسم أمره، مع “منطق الدولة” او ضده، فمصير الكيان على المحك. لقد تقاعست الدولة عن بت مسألة سلاح “حزب الله” وتُرك الامر لإسرائيل لتعالجه على طريقتها. هل سيُترك لها الامر أيضاً لتقرر مصير الكيان وصيغة الحكم المستقبلية فيه، ام تتحمّل المؤسسات الدستورية مسؤولياتها، وتحديداً الحكومة والمجلس النيابي، فتسائلان صراحة “حزب الله” و”حركة امل” ومن خلفهما بيئتيهما الشيعية الواسعة، حول موقفهما من “منطق الدولة”: هل هو رفض لهذا “المنطق” اي لقرارات الحكومة، ام انه رفض للدولة بحد ذاتها بمؤسساتها وآليات اتخاذ القرارات داخلها، بعد ان بات “حزب الله” يهدد بالإنقلاب على الحكومة وليس فقط بالحرب الأهلية؟

من مصلحة هذه البلاد المنكوبة واهلها فتح هذا النقاش صراحةً وبدون مواربة في إطار المؤسسات الدستورية، حتى ولو كانت نتيجته الاتفاق على تركيبة حكم مختلفة للدولة يترتب عليها “منطق دولة” جديد. علّنا نحقن المزيد من الدماء التي تعدنا بها دون ادنى شك، سلوكيات اسرائيل و”حزب الله”. اليوم نتساءل كيف يمكن ان تقوم دولة فلسطينية في المستقبل بعد هذه المعاناة البشرية وهذا النزوح وهذا الدمار في البنى التحتية والمساكن والمؤسسات، المترافق مع احتلال اسرائيل للمزيد من الاراضي. ارجو الا نطرح السؤال نفسه غداً بشأن لبنان.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com