سامِحوني

بقلم عقل العويط

سلام إلى روح الفنّان الكبير أحمد قعبور.

وبعد، لزوم إخراج لبنان من هذه الحرب بأيّ ثمن، وتحييده وأهله نهائيًّا، أيًّا يكن الثمن. وقد “لجأتُ” خلال الليالي الأخيرة إلى “متحف البراءة”، المسلسل “النتفليكسيّ” المقتبس من رائعة أورهان باموك بالعنوان نفسه. قبل ذلك كنت “هاربًا في” عبثيّة الفوتبول والمسلسلات الجاسوسيّة، من عبثيّة الحروب التي تأكل أعمارنا، وتمعس فكرتنا عن الحياة والأنسنة والحبّ والشعر والفنّ والحرّيّة.

خرجتُ بعد “اللجوء” هذا، وقد ازددتُ “إيمانًا عقليًّا” بأنّ الحبّ الذي ملأ شخصيّتَي العشيقة والعشيق، سوسون وكمال، يستحقّ أنْ “تموت” (تُمات) الحياة من أجله، لا لأنّه موتٌ – وهو ليس كذلك البتّة – بل لأنّه إيغالٌ في الحياة، وتمكينٌ لها كي تُعاش بحثًا عن المعنى، في غمرة اللّامعنى الكونيّ.

الكلام في سرّكم، ليس المسلسل هو الذي “أخذ عقلي”، ولا الرواية (علمًا أنّها “ماحقة”)، بل الحبّ الذي ينزف، وينضح. وقد وجدتُني منغمسًا فيه بكياني جميعه، حتّى نخاعي الشوكيّ، وبلاوعيي كلّه، وكم تمنّيتُ في الواقع – كم أتمنّى الآن – لو أنا كمال، ولو أنّ سوسون هي عشيقتي، “لأنتصر” (ولبنان وأهله) على الوحوش هؤلاء وأولئك، انتصارًا هو وحده المرموق والأبيّ والكريم، في خضمّ المرارات والهزائم والخسارات المهينة التي تلخّص – يا للعار – وجودنا بأسره.

عشتُ ما عشتُ، غرقًا في الحبّ والشعر والفنّ والحرّيّة، واستغراقًا فيها، لا بحثًا عن “خلاص”، فلستُ من هواة أيّ “خلاصٍ هروبيّ”، أيًّا تكن هوّيّته، بل لاعتقادي شبه المطلق بأنّها برهانُ وجود، وإنْ مدمِّر.

يقول صديقي أندره بروتون عن “سلطان” الحبّ والشعر والفنّ ما يأتي: L’amour, la poésie, l’art, c’est par ce seul ressort que la confiance reviendra, que la pensée humaine parviendra à reprendre le large.

الحبّ، الشعر، الفنّ، بهذا الاندفاع وحده تعود الثقة، ويتمكّن الفكر الإنسانيّ من استعادة أفقه الواسع.

Reprendre le large. مَن يجرؤ على تفسير هذه العبارة من دون أنْ ينتقص من معناها؟! فليس من تفسيرٍ وترجمة يليقان بهذه العبارة الفرنسيّة التي استخدمها بروتون للتعبير عن كيفيّة استيلاء الحبّ والشعر والفنّ على الحياة. فما يعنيه هو ذاته ما عاشه العشيقان في “متحف البراءة”. وما أنا عشته، وأعيشه. وهذا ليس قابلًا للترجمة، ولا للوصف. فالحبّ، كما الشعر والفنّ، ما لا يمكن أيّ كتابةٍ أنْ تحتويه. حتّى الحياة نفسها لا تكاد تستطيع أنْ “تحيا” الحبّ. فهي عاجزة. اللغة أيضًا وأيضًا. واللوحة. كلّ ما تفعله الحياة، كلّ ما يفعله الشعر، والفنّ، في هذا الشأن، إنّما “اقترابٌ” فحسب.

الحبّ، الشعر، الفنّ؛ فوز. “انتصار”. لكن بدون أسلحة. وبدون قوّة. وبدون عنف. وبدون ضغينة. وبدون سيطرة. وبدون خداع. “ببراءة”، على قول باموك، وهي كليانيّة.

خيال الحبّ لدى العشّاق هو الحبّ واقعًا. خيال الشعر هو الشعر. فلا حدود. الواقع هو تخييلٌ في الواقع. والتخييل هو واقعٌ في الواقع. كلّ تفسيرٍ آخر هراءٌ. بل انتقاصٌ من “حقيقة” هذا الحبّ التي تفوق كلّ حقيقة.

أنا نفسي كمال باسماجي في “متحف البراءة”. أنا نفسي سوسون كسكين. معًا وفي آنٍ واحد.

لستُ مجنونًا، ولا مريضًا بالطبع، وإنْ لن يفهمني أحدٌ. الحبّ لا يسعى إلى أنْ يفهمه أحد. وعبثًا تطلب من أحد أنْ “يفهم” هذا الحبّ. الشعر أيضًا.

أسلِسْ قياده فحسب، واتركْه هاشلًا في البراري والطبقات الدفينة، فآنذاك يعثر على نفسه. والمعنى.

الحبّ، الشعر، الفنّ، لا الحرب. كلّ ما يُرتَكب من وحشيّات، لا فوز فيه، ولا انتصار. الحبّ “انتصاره” أعظم. والشعر. والفنّ. سامِحوني!

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com