نتنياهو يستدعي جانكيزخان لإنقاذ تعاليم يسوع
بقلم غسان صليبي

كاتب
شاء نتنياهو قبل حوالي الاسبوعين من الجمعة العظيمة وعيد الفصح عند المسيحيين، ان ينبش التاريخ ويستخلص منه العبر. فقد صرّح أن “ليس ليسوع المسيح أي أفضلية على جنكيز خان؛ لأنه إذا كنت قوياً بما فيه الكفاية، وقاسياً بما فيه الكفاية، وذا نفوذ كافٍ، فسوف يتغلب الشر على الخير.” واستند نتنياهو في حديثه إلى كتابات المؤرخ “ويل ديورانت”، الذي جاء فيها ان “التاريخ يثبت أن المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان”.
بعد صدور انتقادات لتنياهو حول “المفاضلة” التي اجراها، أوضح موقفه: “لم أشهّر بيسوع المسيح. على العكس، اقتبست من المؤرخ الأمريكي الكبير ويل ديورانت، المعجب والمتحمّس ليسوع، الذي رأى أن الأخلاق بحد ذاتها ليست كافية لضمان البقاء. فحتى حضارة راقية أخلاقيًا قد تقع في يد عدو قاسٍ إذا لم تكن لديها القوة للدفاع عن نفسها. لم تكن هناك نية للإساءة”. وللمفارقة انه سرعان ما أثبت صحة قوله، بمنعه بالقوة المسيحيين الفلسطينيين من الصلاة في كنيسة القيامة في احد “الشعانين”!
على الارجح ان نتنياهو لم يعد يجد في التوراة وفي الايديولوجيا الصهيونية حججاً كافية لتبرير إجرامه المتمادي وتوسيع احتلاله في فلسطين ولبنان وسوريا، وسط تصاعد اصوات الرأي العام العالمي المنددة بأفعال اسرائيل. اذ يستطيع المرء انتقاد هذه الحجج وتبيان ضعفها طالما هي نصوص مكتوبة تحتمل الكشف عن تناقضاتها الداخية، او التشكيك بصحتها.
لذلك قرر اللجوء الى ما يعتبره “دروس التاريخ” المبنية على وقائع ليس من السهل دحضها. طالما ان هذا التاريخ هو تاريخ الحروب والغزوات والقتل والتدمير، الذي انتصرت فيه القوة والقسوة، وهُزم فيه الضعفاء ولم يستطيعوا المحافظة على وجودهم.
وضع ديورانت ونتنياهو جانكيزخان في مواجهة يسوع، لأن الأول هو قائد ومؤسس الإمبراطورية المغولية، ويُعَدّ من أشهر القادة العسكريين في التاريخ، وارتبط اسمه بالدمار والعنف الواسع في الحروب، فيما الثاني مسالم بشّر بالمحبة والتسامح وقُتل على يد الرومان دون أي مقاومة.
كان نتنياهو واضحاً: جانكيزخان يمثّل الشر في حين ان يسوع يمثّل الخير. ونتنياهو يعتبر نفسه، مع الخير ضد الشر. لكن الخير يحتاج الى القوة للمحافظة على نفسه بوجه الشر: “إذا نظرت إلى العالم كما هو اليوم، يجب أن تكون أعمى حتى لا ترى أن الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة يجب أن تعيد فرض إرادتها للدفاع عن نفسها”. وعندما يقول نتنياهو “الديمقراطيات والولايات المتحدة الاميركية”، تكون إسرائيل حكما من ضمن فريق الخير هذا الذي يجب ان يدافع عن نفسه بالقوة.
أخطر ما في تصريح نتنياهو ليس بأن التاريخ يعطي الأفضلية لجانكيز خان على يسوع، بل الإدعاء أن يسوع يحتاج للقوة، اي لأمثال جانكيز خان، لإنقاذ تعاليمه وحضارته الراقية أخلاقياً من الزوال. وتكمن الخطورة في آن إنقاذ يسوع بالقوة يؤدي عملياً الى القضاء على تعاليمه في المحبة والتسامح واللاعنف.
من خلال إدعائه الحرص على يسوع وحضارته الأخلاقية، انما يخاطب نتنياهو الرأي العام المسيحي في الأحزاب اليمينية المسيحية المتطرفة في اميركا وأوروبا، المعبّأة ضد التطرف الإسلامي، والتي تراجع تأييدها له.
لكن نتنياهو يعرف تماماً ان يسوع قُتِل على يد الرومان لأن السلطة الدينية اليهودية لم تعترف به “مسيحاً”، هذه السلطة الدينية نفسها الممثلة اليوم في حكومته، والتي يستقي منها حججه لقتل الآخرين واحتلال اراضيهم. ذلك ان يسوع لم يجسّد صفات “المسيح” الذي كان اليهود ولا يزالون ينتظرونه: اي انه لم يكن متعالياً، قاسياً، وعنيفاً، ومستعداً لقيادتهم والانتصار لهم على باقي الشعوب. فعلى العكس من ذلك تماماً، جسّد يسوع النموذج النقيض، نموذج المعلّم وليس العسكري، المتواضع والمحب والمُدين للعنف بجميع اشكاله، حتى هذا العنف الذي كان يُستخدم من قبل بعض اليهود في مقاومتهم للاحتلال الروماني. لا بل انه ذهب ابعد من ذلك، اذ اعلى من شأن السامري الخيّر على اليهودي السيء، متجاوزاً العصبية الدينية.
ليس صحيحاً ان التاريخ هو تاريخ العنف والاستبداد فقط. فهو يروي لنا حكايات جميلة في معظم الحضارات ومن بينها الحضارة المسيحية. المسيحيون الأوائل أسقطوا الإمبراطورية الرومانية سلمياً وبالأخلاق، وإن راحت الكنائس المسيحية تتلوث لاحقاً بالسلطة وبالعنف. لكن مثال يسوع بقي حياً، مما اضطّر الكنائس الى تنظيف نفسها باستمرار عبر التاريخ، حتى ولو لم تستطع حتى الآن ان تتشبّه بالكنائس الأولى. والحق يقال ان الحضارة المسيحية تمكنت من أحتضان الثقافات التي بدت في نشأتها كأنها مناقضة لها، من مثل فلسفة الانوار والعلمانية والاشتراكية. واذا كان من صوت يقف اليوم بجرأة بوجه ترامب وسياساته، فهو صوت البابا لاوون الرابع عشر، الذي كرر ودعَّم مواقف سلفه البابا فرنسيس.
نعم يسوع هو نقيض جانكيز خان الذي يتشبه به نتنياهو وترامب وخامنئي وبوتين، وكافة المستبدين الذين يحكمون بالقوة ومن خلال احتلال البلدان الأخرى، في الشرق كما في الغرب. حتى ولو حاولت المستشارة الدينية للرئيس الأميركي، باولا وايت، ملاقاة نتنياهو قائلةً قبل يوم من الجمعة العظيمة، “أن هناك أوجه تشابه بين حياة الرئيس دونالد ترامب وما عاشه المسيح عليه السلام”. فترامب هو نموذج جانكيز خان بعد ان لبس لباس المسيحية الصهيونية، التي تدعم جرائم نتنياهو واحتلالاته. وهذه هي المسيحية التي يريد نتنياهو المحافظة عليها بالقوة.
نعم على البشر ان يختاروا بين النموذجين: نموذج يقود الارض الى الخراب والبشرية الى الفناء في حروب متتالية بين الناس ومع الطبيعة، ونموذج يتوق اليه البشر من جميع الاديان والاجناس، ولو بصمت في أحيان كثيرة، في قلوبهم وفي آلامهم، طلباً للإخاء والحرية والمساواة والسلام.