استراتيجيّاتُ المقاومةِ الثقافيّة : من حمايةِ الهويّة إلى صناعةِ المستقبل

لكنّ إذا بقينا في هذه الحلقة التي ندور بها منذ مئات السنين في لبنان و الشرق الأوسط سيبقى عجز العقل الثقافي عن تجديد مفاهيمه وبراديغماته يهيّئ المجال للتبعيّة الثقافيّة. لذلك، يصبح الهدف الحقيقي من هذا الطرح في كيفيّة بناء منظومة ثقافيّة فاعلة تجمع بين الأصالة والمعاصرة المحرّك التنويري والتثويري للذّهن البشري حتّى يصل إلى حالة الارتقاء الوطني. وهكذا نستطيع استعادة جوهر الفكرة الفلسفيّة التي قام على أساسها لبنان...

خاص بوابة بيروت

أصبحت المقاومة الثقافيّة في لبنان ضرورة وجوديّة اليوم لمواجهة الغزو الثقافي الذي عصف في الثقافة الكيانيّة اللبنايّة. حتّى صارت هي بحدّ ذاتها الإشكاليّة التي تتصّل بقدرة المجتمع اللبناني على الحفاظ على هويّته الحقيقيّة، وإعادة إنتاج ما شوّهته الثقافات الدّخيلة، ولا سيّما الثقافة التي نجحت منظّمة حزب الله بإدخالها في مجتمعنا طوال أكثر من أربعين عامًا، وغيرها من الثقافات التي اقتحمت مجتمعنا على ظهر العولمة والانفتاح وثورة النوار وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي. ولكن هذا يجب ألّا يمنع التفاعل مع التحوّلات الحضاريّة من دون الوقوع في الانغلاق أو الذوبان.

قد يجد بعضهم طرح هذا الهدف في غير أوانه. فعمليّة الإضاءة على المقاومة الثقافيّة في ظلّ أوضاع سياسيّة واقتصاديّة متردّية محلّيًّا وإقليميًّا وحتّى عالميًّا قد لا تجد صدى إيجابيًّا لأنّ همّ النّاس في حالات الاضطرابات الأمنيّة والاقتصاديّة لا يتعدّى أكثر من كيفيّة حماية نفسها وتأمين متطلّباتها المعيشيّة.

لكنّ إذا بقينا في هذه الحلقة التي ندور بها منذ مئات السنين في لبنان والشرق الأوسط سيبقى عجز العقل الثقافي عن تجديد مفاهيمه وبراديغماته يهيّئ المجال للتبعيّة الثقافيّة. لذلك، يصبح الهدف الحقيقي من هذا الطرح في كيفيّة بناء منظومة ثقافيّة فاعلة تجمع بين الأصالة والمعاصرة المحرّك التنويري والتثويري للذّهن البشري حتّى يصل إلى حالة الارتقاء الوطني. وهكذا نستطيع استعادة جوهر الفكرة الفلسفيّة التي قام على أساسها لبنان.

ثنائيّة الانفتاح والانغلاق تحكم كيفيّة فهم الإطار الذي يجب ان تتحرّك من ضمنه هذه المقاومة انطلاقًا من استراتيجيّات وجوديّة. فالانغلاق يحمي الموروثات ويحصّن الهويّة الكيانيّة للشعوب. بينما الانفتاح يساهم في التفاعل مع المجتمعات في إطار حداثيّ عالميّ حيث تستطيع أن تستفيد الشعوب من منجزات بعضها بعض الفكريّة والماديّة.

غير أنّ كلا الخيارين يحمل مخاطر متبادَلَة. فالانغلاق قد يتحوّل إلى جمودٍ وعزلة بينما المجتمعات المتفاعِلَة تكون في حالة تقدّم. فبالتّالي يصبح هذا الجمود بمثابة الرّجوع. في حين قد يتحوّل الانفتاح غير النقدي إلى استسلامٍ للهيمنة الثقافيّة وفقدانٍ تدريجيّ للخصوصيّة. وبالتّالي تخسر المجتمعات هويّتها الحقيقيّة ولا سيّما إذا تداخلت أركان الهويّات بعضها ببعض بحالة تفاعل معكوس. والأخطر أن يصبح التّفاعل في هذه الحالة فقط من الأقوى أو الأقدر إلى الأضعف.

وهذا بالتمام ما حدث في حالة الغزو الثقافي الذي طال المجتمع اللبناني في مرحلة الخمسينيّات في زمن الثورات القوميّة والشيوعيّة والاشتراكيّة والبعثيّة. هذه كلّها سقطت بفعل التّفاعل الحقيقي الذي أنتج مسارًا متفاعِلًا مع العالم المتحضّر. وصولًا إلى الثقافة المغلّفة بالتّعصّب الديني الأعمى التي نجحت بربط إيديولوجيّ في إخراج جزء كبير من اللبنانيين ترغيبًا أو ترهيبًا من قلب لبنان.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاومة لا تقوم على رفض الآخر، ولا على تقليده، بل على التفاعل النقدي معه وإعادة بناء الذات الثقافيّة بصورة قادرة على المنافسة. شرط أن تقوم هذه المنافسة على العودة إلى استلهام من الماضي اللبناني المجيد ما هو جوهريّ وأساسيّ لواقع الحال الذي وصلنا إليه، بهدف الانتقال إلى مستقبل هادئ يقوم على أسس السلام الحقيقي من خلال إقامة حدود واضحة بين «الذات» و«الآخر».

وما يجب أخذه بعين الاعتبار أنّ تحوّل حماية الهويّة إلى إقصاء للآخر، وإلى رفضٍ للتغيير، سيؤدّي حتمًا إلى الصدام. وهذا ما سيجعل المقاومة الثقافيّة تتحوّل من وسيلة للحفاظ على الذات إلى عاملٍ من عوامل الصراع الداخلي. لذلك يجب إنتاج نموذج فكري بديل في مواجهة الهيمنة القائمة من دون أن يحدّ ذلك من القدرة على التكيّف مع المتغيّرات التاريخيّة.

لذلك كلّه، ما نحن بحاجة إليه في هذه المرحلة بالّذات هو المقاومة النّاعمة التي تبدأ من إعادة تشكيل الوعي الوطني لحقيقة جوهر وجود الوطن اللبناني، مع التركيز على “لبنان الدّور” وليس “لبنان الغور”. فبنهاية المطاف عندما كثرت الأغوار، وحده غور الموت انتصر. وما نريده الحياة ثمّ الحياة فقط لا غير لمستقبل حضاري يليق بتضحيات الذين سبقونا، على أن يكون على قدر أحلام أولادنا وأحفادنا من بعدنا.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك