خاص بوابة بيروت
كل “ثورة” عرفتها البشرية حملت في مضمونها “ثوران القدرة”.
القدرة الاندفاعية الباطنية الهائلة من عمق اعماق الداخل نحو الخارج، والكامنة في الطبيعة، وفي تكوين كل الكائنات الحيّة ، وهو ما يميزها عن الجماد…
اول ما يحضرنا “ثورة البركان”وطاقة الارض المحتبسة، تنفجر من باطنها فتخرج وتطفو على سطحها مغيّرة تضاريسها وشروط الحياة فيها، تبددها لتجدّدها…
ثورة البراكين توازيها بشرياً “ثورة الغضب”، التي تتشكل كرد فعل دفاعي جماعي يحفظ كرامة الحياة عندما تهون او تُهان، ولا تفوقها قوةً وتأثيراً سوى “ثورة الفكر” وليدة الفعل الواعي المراكم لتطور مفاهيم الحياة والعيش الهادف، وهي انجبت ونسجت عبر التاريخ قيم الحرية والحق والعدل ، ومفاهيم السلام والخير والإحسان التي صاغت شرائع الحق بالعيش السوي لحفظ حياة الإنسان والبيئة، وربطت التسامي فيه بالأزلية… وهو ما حملته غالب العقائد الروحية ووَسمته ب”خلود الروح”.
الروح جوهر الحياة ولَطيفها الذي لا يُدرك بالحواس.
انما بالفطرة والإحساس ، ثم بالوعي والعلم وبالترقّي الانساني…
لذا ما ثارت الأجسادٌ الا عندما أُسِرت أرواحها قهراً او ظلماً يهدد الوجود ، فساداً أو تسيّباً يبدد الكرامة…
فالروح هي الاصل، سواء الروح الفردية لأنسان فرد، او الروح الجماعية لشعب باكمله…
وحسبنا استذكار الثورات القديمة والحديثة المتعاقبة، من ثورة الفلاحين على الاقطاع.
وثورة الجياع على الملوك والمُتخمَين، الى ثورة المستعبدين على الاستعمار، والمقموعين على حكامهم … ونتوقف عند الثورة الصناعية، والثورة الرقمية التي نعيشها اليوم في العالم اجمع ، وهي توشك ان تحسم مصير البشرية بين من سيتفرّد في التحكّم بالمعلومات وبموارد الارض والفضاء، ومن سيكون مستتَبَعاً وعلى هامش نمط العيش المعولَم الذي تفرضه الدول الكبرى وشركاتها العابرة للقارات في سباقهم التنافسي الدموي المحموم عبر المنظومة الاقتصادية والسياسية الدولية القائمة ، حيث اصبح واحد في المئة من سكان الأرض يملكون سبعين في المئة من مواردها…ويتحكمون بكتلتها البشرية محتكرين مائها وهوائها وما في باطنها، وخارج غلافها الجوي…
اين نحن في لبنان اليوم من كل هذا وسط ما يُطبِق علينا في بلدنا وفي المنطقة من حديد ونار وخطط القتل والدمار ، فيما فصول الحروب على التحكم بمواردها ومعابرها ومضائقها تتوالى امام ناظرينا؟!
ماذا بقي لنا من مَطالب ثورة ١٧ تشرين ، فرادى وجماعات، وروحاً جماعية كسيرة، شعباً وارضاً، دولةً ووطن؟!…
اي نهج ثوري متاح لنا اليوم بعد سياسات التجويع والتطويع المتوالية والمتفاقمة من سوء أداء الداخل، وتسلط الخارج؟
كيف نعود الى حياة حقة غابت عنا لأننا غبنا عنها! ونمنع الانفجار المجتمعي الآتي وسط هذا الكمّ من التخبط والنزف على كل مستويات عيشنا، مزيد الانتظار ليس الا مزيد الاستهتار.
آن لنا ان نثور “ثورة خلاص” تم تأجيلها اكثر من سبعين عاماً. لنحرر نفوسنا من وباء العبثية والتعامي المتفشي ، وامراض التراخي والاستسهال المستفحل.
استسهال وقبول تردي وتدني نوعية الحياة، إتراف الحواس وإسكات الاحساس، تبلّد المشاعر النبيلة وتمجيد السخف، والاستخفاف بمقدرات وحضارة بلد قيل عنه يوماً انه “سويسرا الشرق”، و”رسالة انسانية” في تنوعه الفريد.
كيف سمحنا ان تلحق بنا هذه الخسارة الحضارية، كيف ارتضينا ان نبعد اولادنا واحفادنا عنا في هجرة قسرية مريعة لا عودة لهم منها، لمن سنسلّم” امانة وطن”؟!
انها فرصتنا الأخيرة
علينا حالاً البدء بمراجعة أنماطنا المجتمعية وأنساقنا الثقافية السائدة والهرئة، نصطفي منها القيّم والجامع المتبقي وهو ليس بقليل، ونثمّره بأقصى سرعة في تنمية بشرية مستدامة لنستعيد بعضاً من توازن مفقود يبقينا على قيد العيش…
نلسون مانديلا الثائر اللاعنفي الاكبر بعد غاندي قال: ” لا يستطيع التحرر من لا يستطيع المسامحة”. وعنى مسامحة الذات ثم الآخر للخروج من كل دوامات الشعور بالذنب والضعف واتهام الآخر فقط لعدم تحمل مسؤولية نهج الغلط والفشل والرغبة بمحاسبة الآخر فقط ومحاكمته واسقاط الاحكام المسبقة عليه وانزال العقوبة به.
مانديلا بحكمته وريادته ويقينه بضرورة كسر هذه الحلقة الدموية المفرغة، اجرى مسامحة ومصالحة وطنية مع الذات والآخر دامت شهوراً وبنى دولة افريقيا الجنوبية الحديثة وحقق حلم حياته بدولة قانون وحقوق مواطنية، سيدة رائدة… بعد ٢٧ عاما. قضاها ظلماً في السجن،
مانديلا ثار، اكمل وتمم ثورته وانتصر، ومعه انتصر شعب بأكمله وانتصرت الانسانية جمعاء.
هل من مانديلا جديد بيننا؟
تعالوا نتقمص بطلاً مخلًصاً، فلنبدأ بهدم جدران نواقصنا الداخلية لنرمم انفسنا على عجل، ونستعيد ذاتنا الحرة حاملة القيم المعيارية ونخلّصها من “الأنا ” المتورّمة والمتهالكة فينا، ولتكن لمرة أخيرة ثورة عقلنا وإحساسنا على فوضى حواسنا.
ثورة ال “نحن” على ال “أنا”، ومواطنيتنا على تُبَعيتنا المقيتة لزعماء سلطانهم المال والسلاح والاستفراد بالسلطة والقرار…
ثورة استقامتنا الأخلاقية على الفساد والإفساد المستشري، من أجل إحياء الانتماء والولاء لوطن لا بديل لنا عنه، نحصّن مؤسساته ونحترم دستوره ونتفانى في عودة انتظامه العام الجامع.
فلنقُل ما نعني، صدقاً في القول وإخلاصاً في العمل… ولنحسم خياراتنا في ما نريد.
ولنفعّل مواطنيتنا في اعداد الخطط والبرامج القصيرة المُحكَمة، ونحمل المسؤولية والإنخراط بورَش إستنهاض محيطنا الحياتي المباشر بفكر خلاق ينتهج مبدأ “إضاءة الشمعة بدل لعن العتمة”.
ان ما نختار هو الاقرب عادة الى ما نستحق..
أصَعب علينا تخطي التقليد لاختيار من يجدر بهم وبهنّ انينوبوا عنا ويمثلونا حقاً في تولي مهام التشريع لتسريع ايصالنا الى بر الامان والاطمئنان…؟!
لا تنسوا “كما نكون نولي علينا”.
وكل من لم يتعلم من دروس الماضي محكوم بان يعيش نفس الماضي باستمرار ، أصاب جان پول سارتر…
المواطن الفرد السوي المنيع، هو عادة غاية التنشئة والتربية الخاصة والرسمية وهو اليوم الضرورة الوطنية الأمنية القصوى لتحصين مجتمعنا واجيالنا من كل انواع الخروقات المُراد استمرارها لاستمرار إملاء الارادات الخارجية علينا.
هذا الفرد السوي الجديد هو المواطن الركن وجوهر كل ثورة، بفكره الخلاق وفعله الابداعي المنتظر، الذي ينقلنا من حاضرنا وننتقل كلنا معه الى رحاب غد وطني أفضل واكثر مساواةً وآمان.
هلموا جميعاً نحقق حلمنا وذاتنا !!
