خاص بوابة بيروت
عندي أكثر من عشرة آلاف صورة من ذاكرة ١٧ تشرين. في كل صورة وجه، وقصة، وموقف؛ أناس تركوا أعمالهم وبيوتهم، وحملوا العلم، ونزلوا إلى الساحات لأنهم آمنوا بأن لبنان يستحق حياة أفضل. أحتفظ بهذه الصور كأمانة، وكشهادة على شجاعة الناس، وعلى الأثقال التي حملتها ثورة في مواجهة سلطة مترسّخة بالفساد والزبائنية والمحسوبية.
كلما عدت إليها، عاد السؤال نفسه: كيف استطعنا أن نلتقي على حلم بهذا الاتساع، ثم عجزنا عن حماية قوتنا المشتركة من التشتّت؟
في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، انفجر غضب تراكم طوال سنوات. كانت ضريبة «واتساب» الشرارة، فيما الأسباب تسكن تفاصيل حياتنا: كهرباء غائبة، ومياه تُشترى، وفرص عمل تضيق، وحقوق تحتاج إلى واسطة، ومؤسسات يتقدّم فيها صاحب المحسوبية على صاحب الكفاءة. خرجنا لأننا أردنا بلداً يشبهنا، نبنيه بسواعدنا وعملنا وخبراتنا. أردنا فرصة نعيش فيها كمواطنين، وتكون فيها حقوقنا مضمونة بالقانون، وكرامتنا مستقلة عن رضا الزعيم.
وفي ٢٧ تشرين الأول، تشابكت الأيدي في سلسلة بشرية على امتداد الساحل من طرابلس إلى صور، في مبادرة استهدفت وصل نحو ١٧٠ كيلومتراً. كانت تلك الصورة تعبيراً عن رغبة عميقة في استعادة بلد واحد ومصير مشترك.
لكن ذاكرة الثورة تحمل أيضاً وجوه شهدائها، والذين فقدوا حياتهم في أحداث رافقت تلك المرحلة. لهؤلاء مكان في مقدّمة الذاكرة، ولعائلاتهم حق في الحقيقة والعدالة. لا يجوز أن تتحوّل أسماؤهم إلى شعارات موسمية، أو أن تضيع المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن مقتلهم بين التسويات والنسيان. وفي هذه الذاكرة جرحى حملوا آثار إصاباتهم، وموقوفون، وأشخاص تعرّضوا للترهيب والملاحقة. وقد وثّقت منظمات حقوقية استخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين، وملاحقات طالت ناشطين وصحافيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم.
ثم جاء الانهيار المالي، والجائحة، وانفجار مرفأ بيروت، وتوالت الأعباء. صار الإنسان مطالباً بالدفاع عن وطنه، والبحث عن رزقه ودوائه، وحماية عائلته من العوز، في الوقت نفسه. من يريد مراجعة التجربة بإنصاف، عليه أن يتذكّر مقدار ما حمله هؤلاء الناس وهم يقفون في الساحات، ومقدار ما استنزفهم بعد ذلك.
المنظومة التي واجهوها… بالأرقام
لم تكن شعارات «كارتيلات النفط» و«موتورات الكهرباء» و«مياه الصهاريج» مجازاً. في عام ٢٠٢٢ وحده، بلغت قيمة استيراد المشتقات النفطية في لبنان نحو ٣.٧ مليارات دولار، أي ما يقارب ٢٥ في المئة من إجمالي واردات البلاد البالغة ١٨.١ مليار دولار. هذا هو حجم «الكارتيل» الذي يتحكم بصفيحة البنزين ويُثقلها بأرباح لا تمتّ إلى منطق التسعير الحقيقي بصلة.
وفي غياب كهرباء الدولة، تحوّلت «الموتورات» إلى عبء خانق: يدفع اللبنانيون لمشغّلي المولدات ما يقارب ٦ مليارات دولار سنوياً. وبلغت التغذية الكهربائية الرسمية في عام ٢٠٢١ نحو ٦.٥ ساعات يومياً، لتهبط في ٢٠٢٢ إلى ما بين ساعتين و٤ ساعات، قبل أن تتراوح في ٢٠٢٣ بين ٤ و٦ ساعات. وفي ذروة الانهيار، وصل انقطاع الكهرباء إلى ٢٢ ساعة يومياً في بعض الفترات.
أما المياه، فلم تعد تأتي من الحنفية. صهريج المياه الواحد كلّف الأهالي $$ دولاراً في معظم المناطق، ووصل سعره خيالي، وتراوح في القرى بين ٣٠ دولاراً او اكثر. هذه ليست أزمة خدمات عابرة؛ إنها منظومة «فرّق تسُد» تحوّل الحاجات الأساسية إلى سوق سوداء، وتحوّل المواطن إلى زبون.
والانهيار لم يكن خارجياً فقط. بين ٢٠١٩ و٢٠٢٤، انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة ٣٨ في المئة، وخسرت الليرة نحو ٩٨ في المئة من قيمتها، وتراجعت الودائع المصرفية بنحو ٣٠ مليار دولار. هذه هي الأرقام التي وقف خلفها الناس في ١٧ تشرين: لا غضباً على ضريبة، بل غضباً على منظومة أنهكت البلد.
سلطة تستثمر في حاجة الناس
واجهت الثورة منظومة تجعل من حاجة المواطن وسيلة لإخضاعه. حين تتعطّل المؤسسة، تقوى الواسطة. وحين يغيب الحق، يأتي من يقدّمه كخدمة شخصية تستوجب الولاء. يدفع المواطن أكثر من فاتورة ليحصل على الكهرباء، ويشتري المياه، ويبحث عن نافذ يساعده في دخول المستشفى أو تأمين وظيفة. هكذا تُستهلك موارده، وتُحاصر حريته، ويصبح خوفه على عائلته مدخلاً لإعادته إلى التبعية.
لهذا كانت معركة ١٧ تشرين مع طريقة حكم كاملة؛ طريقة تستفيد من ضعف الدولة، وتعيد توزيع الفتات على الناس، ثم تطلب منهم الشكر والطاعة. نجحت الثورة في توسيع مساحة الاعتراض وكسر شيء من رهبة الزعامات. جعلت كثيرين يسألون ويحاسبون ويرفضون. لكنها لم تستطع تغيير نظام يملك المال والنفوذ وشبكات المصالح وماكينات انتخابية راكمت خبرتها خلال عقود.
كثرة المجموعات لم تصنع قوة مشتركة
علينا أيضاً أن نتحدث بصدق عن تجربتنا نحن. كانت لدينا طاقات وأفكار وخبرات، لكن كثرة المجموعات استنزفت جزءاً كبيراً منها. ولا أرى أن الجواب اليوم هو الدعوة إلى إنشاء تنظيم جديد. كل مجموعة صغيرة تقريباً تحاول أن تفعل ذلك، فتضع هيكليتها وقيادتها، وتعيد إنتاج المشكلة نفسها: مساحة محدودة لتقبّل الآخر، وتمسّك بالرأي، وتنافس على من يقود ومن يمثّل.
في تقديري، الهرمية التي تُبنى حول الأشخاص لم تعد جواباً كافياً عن أحلامنا. نحتاج إلى طريقة تجمع خبراتنا حول عمل واضح، وتمنح كل شخص دوراً بحسب معرفته وقدرته، مع مسؤولية ومحاسبة، ومن دون تحويل التعاون إلى صراع على الرئاسة. قد نلتقي على ملف الكهرباء، أو حماية أموال المودعين، أو استقلال القضاء. وقد نعمل ضمن فرق متخصّصة تشبه «وزارات ظل»، تتابع السياسات العامة، وتراقب الأداء، وتقدّم بدائل مفهومة للناس. عندها يصبح العمل المشترك سبباً للثقة، وتصبح الخبرة أساساً للمسؤولية.
لكن حتى هذه الفكرة تحتاج إلى مواجهة واقعها المادي، وإلا بقيت أمنية جميلة.
هنا المفارقة: كيف نتفرّغ ونحن نبحث عن ثمن البنزين؟
أي عمل جدي يحتاج إلى وقت ومتابعة وبحث وتنقّل. يحتاج إلى أشخاص قادرين على التفرّغ، وإلى موارد تغطّي كلفة هذا الجهد. كيف نطلب من إنسان أن يراقب وزارة، ويعدّ ملفات، وينظّم لقاءات، ويتابع شكاوى الناس، وهو بالكاد يؤمّن معيشته؟ كيف نطالبه بالحضور الدائم، وقد لا يملك ثمن تنكة بنزين؟
هنا المفارقة التي عشناها: نواجه قوى تملك المال والماكينات، فيما يُطلب منا أن نواجهها بوقتنا المجاني وإمكاناتنا الشخصية، وأن نستمر مهما اشتدّ الاستنزاف. التطوّع له قيمة كبيرة، لكنه يحتاج إلى حدود تحمي أصحابه. وأي تعاون مستدام يحتاج إلى تمويل معلن وشفاف، يحفظ استقلال القرار ويتيح لأصحاب الكفاءة العمل بكرامة. يجب أن نعرف من يموّل، وكيف تُصرف الأموال، ومن يتحمّل المسؤولية. لا يكفي أن نقول للناس: نظّموا أنفسكم. علينا أن نسأل أيضاً: بأي وقت؟ وبأي موارد؟ وعلى حساب أي حاجة أساسية في حياتهم؟
الانتخابات المقبلة: توحيد الجهود يبدأ قبل اللوائح
أوصلت انتخابات ٢٠٢٢ ثلاثة عشر نائباً من المعارضة الإصلاحية المرتبطة بموجة الاعتراض إلى المجلس. كان ذلك اختراقاً مهماً، لكنه حمل معه امتحان العمل المشترك واستمراريته. وفي قراءتي، أضعفت كثرة الترشيحات وتنافس اللوائح قدرة التغييريين على جمع أصواتهم. لا يمكن تحديد عدد المقاعد التي أضعناها من دون دراسة تفصيلية، لكن التشتّت أضرّ بنا، والخلافات التي تلت الانتخابات زادت خيبة الناس.
لذلك أطالب بأن يكون من أولويات المرحلة المقبلة قانون انتخاب علماني موحّد، يقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق السياسية، ويتجاوز القيد الطائفي في الترشّح والتمثيل، مع ضمان عدالة التمثيل وحرية الاختيار. وبالتوازي، نحتاج إلى توحيد الجهود على برنامج ومعايير واضحة، قبل الدخول في سباق الأسماء واللوائح.
ومن موقعي، أرى ما يستوجب الاعتراض حين تظهر في المناطق ترشيحات ترفع اسم الثورة، بينما لا يعرف المشاركون في ساحاتها لأصحابها حضوراً أو عملاً عاماً واضحاً. المشاركة في الساحات ليست شرط الأهلية الوحيد، لكنها أيضاً ليست ذاكرة مباحة يمكن استخدامها بلا مسؤولية. من حق كل شخص أن يترشّح وفق القانون، ومن حق الناس أن يسألوا: ماذا أنجز؟ ما خبرته؟ ما برنامجه؟ من يموّله؟ وكيف سيخضع للمحاسبة؟ اسم الثورة لا يمنح أحداً تفويضاً تلقائياً. وتوحيد الجهود يحتاج إلى شفافية في الاختيار، وإلى شجاعة في التراجع عن الترشيح حين تكون مصلحة العمل المشترك أكبر من طموح الفرد.
الصور تضعنا أمام مسؤوليتنا
أعود إلى أكثر من عشرة آلاف صورة، فأرى ما جمعنا وما خسرناه، وأرى وجوهاً ما زالت تستحق الوفاء. الوفاء لشهداء الثورة وجرحاها يكون بمتابعة حقوقهم والمطالبة بالعدالة. والوفاء لتعب الناس يكون بالتوقف عن استنزافهم في مجموعات متنافسة واجتماعات تعيد الخلافات نفسها.
ما زلت أؤمن بإمكان أن نلتقي على عمل محدّد، يجمع خبراتنا ويعطي نتيجة يلمسها الناس. لكن هذا اللقاء يحتاج إلى قبول الآخر، ووضوح المسؤوليات، وموارد تحفظ كرامة العاملين، واستعداد حقيقي لتقديم المصلحة المشتركة على موقع القيادة.
أردنا بلداً يشبهنا، وما زلنا نريده. والطريق إليه يمرّ اليوم عبر عدالة لا تنسى الضحايا، وقانون انتخاب يقوم على المواطنة، وجهود تتكامل، وعمل يستطيع أصحابه الاستمرار فيه من دون أن يدفعوا ثمنه من لقمة عيشهم.
هذا هو السؤال الذي تضعه الصور أمامنا: هل نستطيع أن نمنح حلمنا طريقة عمل تليق به، وتحمي الناس الذين حملوه؟
