نتانياهو يرسم خطوط المرحلة المقبلة
يبقى أنّ سير الأحداث ميدانيًّا في الأسابيع القادم هو الذي سيحكم إذا ما كان نتانياهو قد نجح في خطابه هذا الذي برّر فيه أعماله الميدانيّة القادمة. لأنّه يعرف أنّه لا يستطيع تغيير مواقف الجمعيّة العامّة بكلمته هذه، لكنّه خاطب العالم وعقله ليقنعه بأحقيّة صراعه، لا بل بضرورة هذا الصراع وخيّرهم بين ثقافتين: إمّا الديمقراطيّة التي يقودها الغرب وإمّا العقل الإخواني بكلّ تجليّاته...
خاص بوابة بيروت
الحدث أيضًا من نيويورك ولكن هذه المرّة من وجهة نظر ” نتانياهويّة”. ألقى رئيس الوزراء الاسرائيلي كلمة أطلق فيها عمله للمرحلة المقبلة. حيث اعتبر أنّ النّصر تحقق لكنّ هذا النّصر بحاجة إلى ترجمة سياسيّة. ما يعني عمليًّا بالمفهوم الاسرائيلي للعمل السياسي، أنّ الاستثمار آتٍ. ولعلّ أوّلا ما سيتمّ استثماره بحسب العقل الاسرائيلي هو في الانتخابات الاسرائيليّة القادمة.
فكلمة نتانياهو هذه تتضمّن رسالتين: الأولى إلى الدّاخل الاسرائيلي مفادها لمواطني بلده:” أعطيتكم النّصر الميداني فاعطوني النّصر السياسي”. وهذا ما يريد أن يستكمل بواسطته إنجازات الميدان. ومَن يستطيع أن يضمن حدود الإنجازات السياسيّة لنتانياهو في الحكومة القادمة إن نجح بانتزاع الفوز؟
أمّا الرسالة الثانية فهي للخارج حيث اعتبر أنّ «أسهل القرارات» التي اتخذها، كانت في ضرب المنشآت النوويّة الإيرانيّة. وهذا معناه أنّ القرار السهل القادم بات قريبًا. فكما اتّخذ القرار الأوّل بضرب فوردو وغيرها من المنشآت النووية، سيتمّ اتّخاذ القرار بضرب جبل الفأس، وذلك لأنّ هذه المنشأة هي نقطة الارتكاز الوحيدة التي يستند إليها الحرس الثوري الحاكم المطلق. فإيران بحسب نتانياهو هي مركز شبكة إقليمية، وضربها يعني ضرب المنظومة التي تمتد منها إلى ساحات المنطقة. فهذا مؤشّر واضح أنّ المنطقة قادمة بعد خطاب نتانياهو على إعصار عسكريّ جديد.
فضلًا عن أنّ الاستثمار السياسي سيكون أيضًا في الإقليم، حيث نجح في رواية أن إسرائيل لم تدافع عن نفسها فقط، بل غيّرت ميزان الردع في المنطقة. وهذا ما سيكون المنطلق في المرحلة القادمة لاستكمال الاتّفاقيّات الابراهيميّة. وهذه الرّسالة الواضحة إلى الدّول في الإقليم وأوّلها لبنان الذي ما زال حتّى الساعة مصرًّا على إطالة المسار السياسي، بغضّ النّظر عن الاستنزاف الميداني المكلف جدًّا على صعيد الدّولة والشعب والأرض في لبنان.
إلّا أنّ هذا الانتصار الذي أعلنه نتانياهو يبقى منقوصًا. فملفّ غزّة لم يحسم بعد. وإيران لا زالت حتّى الساعة تنجح في ابتزاز العالم عبر طرق الملاحة. أمّا الوضع في لبنان فلم يتم التقدم في ملفّ السلاح غير الشرعي، ولا زالت الحكومة مقوّضة لا تستطيع أن تطلق اليد التنفيذيّة لمؤسّساتها. فمقارنة مع ما حصل بعد حرب 1967، حيث استطاعت إسرائيل أن تستخدم التفوق العسكري لإعادة صياغة شروط التفاوض، لكن التسوية النهائية لم تأتِ من القوة وحدها؛ بل احتاجت إلى مسار سياسي طويل انتهى، في حالات مختلفة، إلى كامب ديفيد ومعاهدات السلام.
أمّا اليوم فالفرق يكمن في أن نتنياهو يريد، على ما يبدو، أن يبدأ التفاوض من وقائع عسكرية جديدة. وإن لم تكن الوقائع التي حصّلها حتّى الساعة، فما أعلنه في خطابه أنّه مستعدّ ليستكمل هذا المسار بهدف أن يقصّر المسار السياسي، من خلال العمل العسكري الذي بات محتومًا ومحسومًا. فنتائج القّوّة العسكريّة الاسرائيليّة ستكون حتمًا أسرع بكثير من أيّ مسار مفاوضاتي. من هذا المنطلَق تقرأ إشارات خطاب نتانياهو بشكل واضح. فهو مستعدّ لتكثيف العمل العسكري لأنّه لا يريد أن يغرق في المسار السياسي المفاوضاتي.
لقد وضع نتانياهو لبنان في كلمته في معادلة جديدة أكّ> فيها أنّ التعامل مع الملفّ اللبناني لن يكون منفصلًا عسكريًّا عمّا سيتمّ التعامل به مع إيران. وهكذا يكون نتانياهو في خطابه هذا قد دحض كلّ الجهود التي يقودها فخامة الرّئيس جوزاف عون بفكّ الارتباط بين لبنان وإيران عسكريًّا. فنجح نتانياهو بربط الساحتين حيث بات من المؤكّد أنّ المصير سيكون مشترَكًا.
عمليًّا انتقل نتانياهو في خطابه هذا من محاربة حزب الله التي باتت بمنظوره العسكري في خواتيمها، إلى طبيعة جنوب لبنان بعد حزب الله. وهكذا يكون قد نجح بإقحام الدّولة اللبنانيّة كدولة في صلب المعادلة المقبلة. وهو يعلم مسبقًا، بحسب اكثر من مقال او تقرير صدر في الصحافة الاسرائيليّة، عجز الدّولة اللبنانيّة عن تنفيذ قراراتها. ما يعني أنّ نتانياهو قد أعلن في كلمته هذه أنّ ساعة الخطر قد دقّت. ويبقى أن يحدّد ساعة الصّفر. ونتائج الحرب يجب أن تصبح أساسًا للنظام الإقليمي المقبل.
ونجح نتانياهو بوضع الغرب كلّه أمام معادلة هل أنتم مع إسرائيل “الأخت بالدّيمقراطيّة” ومعها الديمقراطيات الغربية أم مع إيران وحماس وحزب الله والتيارات الإسلامية؟ وهكذا يكون نتانياهو قد أعاد تعريف الصراع القادم بدهاء حضاريّ لا مثيل له. وهذا الأسلوب موجود في الخطاب الإسرائيلي منذ سنوات، لكنه اليوم يأتي في ظرف مختلف: إسرائيل تواجه انتقادات متزايدة من دول غربية كانت تقليديًا أقرب إليها، فيما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات ضد المستوطنات، وتزايدت الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية.
وهكذا يكون نتانياهو قد دحض اتّهامات وسائل إعلام بـ«الانحياز» و«المعايير المزدوجة»، وردّ على الانتقادات المتعلقة بالعنف في الضفة الغربية، واصفًا مرتكبيه بأنهم «حفنة من المشاغبين»، ومؤكدًا أن السلطات الإسرائيلية تتعامل معهم. فضلا عن مهاجمته الوفود التي غادرت القاعة واتّهامه لهم بالمنافقين.
وبذلك، حمل الخطاب رسائل دفاعية واضحة عن الحرب والسياسة الأمنية الإسرائيلية، مع تركيز بارز على إيران، وانتقاد شديد للضغوط والانتقادات الدولية الموجّهة إلى إسرائيل، إلى جانب رسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي وخصوم نتنياهو السياسيين. فنتنياهو لم يأتِ إلى نيويورك لإقناع الجمعية العامة بل جاء ليصوغ رواية سياسية للصراع أمام العالم.
يبقى أنّ سير الأحداث ميدانيًّا في الأسابيع القادم هو الذي سيحكم إذا ما كان نتانياهو قد نجح في خطابه هذا الذي برّر فيه أعماله الميدانيّة القادمة. لأنّه يعرف أنّه لا يستطيع تغيير مواقف الجمعيّة العامّة بكلمته هذه، لكنّه خاطب العالم وعقله ليقنعه بأحقيّة صراعه، لا بل بضرورة هذا الصراع وخيّرهم بين ثقافتين: إمّا الديمقراطيّة التي يقودها الغرب وإمّا العقل الإخواني بكلّ تجليّاته.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير