جيوب اللبنانيين ليست خطة إنقاذ

قبل أن تمدّوا أيديكم مجدداً إلى جيوب اللبنانيين، ماذا فعلتم أنتم؟

خاص بوابة بيروت

في بلدٍ يعيش واحدة من أخطر مراحله الاقتصادية والسياسية والأمنية، كان يُفترض بالحكومة اللبنانية أن تتقدّم إلى شعبها بخطة إنقاذ واضحة تبدأ بإصلاح الدولة، وضبط الإنفاق، وإقفال أبواب الهدر والتهريب، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وحماية الودائع، وتحريك الاقتصاد، قبل أن تطلب من المواطنين دفع ليرة إضافية واحدة. لكن ما حدث هو العكس تماماً. فالدولة التي عجزت عن تأمين الكهرباء والمياه والطبابة والتعليم والنقل والضمان الاجتماعي، قررت مرة أخرى أن تبحث عن خلاصها في جيوب شعب لم يعد يملك ما يكفي لحماية كرامته وحياته اليومية.

أقرّ مجلس الوزراء زيادة قدرها 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة، بهدف تمويل زيادات مستحقة لموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين. لكن خطورة هذه الإجراءات لا تكمن فقط في قيمتها المباشرة، بل في آثارها المتسلسلة على كلفة النقل والإنتاج والسلع والخدمات والمعيشة بأكملها. فكل رسم يوضع على المحروقات ينتقل سريعاً إلى فاتورة الغذاء والعمل والتعليم، وكل زيادة على ضريبة الاستهلاك تصيب أصحاب الدخل المحدود بصورة أشد، لأنهم ينفقون معظم مداخيلهم على حاجاتهم الأساسية.

المشكلة ليست في مبدأ الضريبة، فالضرائب في الدول الطبيعية جزء من عقد واضح بين المواطن والدولة. يدفع الناس الضرائب عندما يعرفون أين تذهب أموالهم، ويحصلون في المقابل على تعليم جيد، وطبابة محترمة، ونقل عام، وكهرباء، وأمن، وقضاء يحمي حقوقهم. أما في لبنان، فالمواطن يدفع للدولة، ثم يدفع مرة أخرى للحصول على الخدمات التي كان يُفترض أن تؤمّنها له. يدفع فاتورة الكهرباء وفاتورة المولد، والضرائب وأقساط المدارس الخاصة، وفواتير المستشفيات والتأمين والنقل والمياه. وبذلك لم تعد الضريبة مساهمة عادلة في بناء الدولة، بل أصبحت رسماً إضافياً يدفعه اللبناني مقابل بقائه وحيداً.

وعندما تفشل السلطة في الإصلاح، تلجأ إلى المواطن. وعندما تعجز عن محاسبة الفاسدين، تحاسب المستهلك. وعندما لا تملك الجرأة على مواجهة أصحاب المصالح والاحتكارات والتهريب والتهرب الضريبي، تفرض مزيداً من الأعباء على الموظف والعامل والمتقاعد وصاحب الدخل المحدود. إنها العقلية نفسها التي أدارت الأزمة منذ بدايتها: البحث عن أسرع مورد مالي، لا عن أكثر الحلول عدالة واستدامة.

أي عدالة ضريبية هذه التي تبدأ بالاستهلاك ولا تبدأ بالثروات والأرباح الاستثنائية؟ وأي إصلاح هذا الذي يرفع كلفة البنزين والسلع، ولا يفتح بجدية ملفات التهرب الضريبي والاحتكارات والأملاك البحرية والتهريب والهدر والصفقات المشبوهة؟ وأي دولة تطالب مواطنيها بتمويلها، فيما لم تقدم لهم حتى اليوم حساباً شفافاً عمّا فعلته بأموالهم وودائعهم ومدخرات أعمارهم؟

منذ عام 2019، تحوّلت ودائع اللبنانيين إلى أرقام محجوزة في المصارف، وخسر الناس القدرة على الوصول إلى أموالهم بحريّة، فيما توزعت المسؤوليات والاتهامات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف من دون أن يتحمل أحد المسؤولية كاملة. أُقرّت قوانين، وعُدّلت نصوص، وقُدمت مشاريع لإعادة هيكلة المصارف واسترداد الودائع، لكن المودع لا يقيس الإصلاح بعدد القوانين والتصريحات، بل بما استرده فعلياً من ماله. وحتى اليوم، لا تزال أموال الناس معلقة بين وعود السداد التدريجي، والسندات، والجداول الزمنية الطويلة، والخلاف على كيفية توزيع الخسائر.

قبل أن تطلب الدولة من المواطن تمويل نفقاتها الجديدة، عليها أن تجيبه عن السؤال الأقدم والأكثر إلحاحاً: أين أمواله؟ كيف ستُعاد الودائع؟ من سيتحمل الخسائر؟ هل ستبدأ المحاسبة بمن استفادوا من النظام المالي وراكموا الأرباح والنفوذ، أم ستُنقل الخسارة مجدداً إلى المودع ودافع الضرائب؟ لا يمكن بناء الثقة بنظام مالي جديد فيما حقوق أصحاب الودائع القديمة لا تزال موضع تفاوض ومساومة.

لقد خسر اللبناني جزءاً كبيراً من راتبه، ووديعته، وقدرته الشرائية، وفرصته في عمل مستقر، وحقه في شيخوخة آمنة. هاجر أبناؤه، وأقفلت مؤسسات، وتراجعت الطبقة الوسطى، واتسعت دائرة الفقر. ومع ذلك، لا تزال السلطة تتصرف وكأن المجتمع يملك احتياطياً لا ينضب من الصبر والمال. لا تسأل الحكومة كيف يستطيع المواطن أن يعيش، بل كيف يمكنها أن تحصّل منه المزيد. ولا تضع سياسة اقتصادية متكاملة لإنتاج الثروة، بل تعتمد سياسة محاسبية لتوزيع الخسائر على الذين لم يصنعوها.

والأخطر من قرارات الحكومة هو الصمت الذي يخيّم على البلاد. أين اللبنانيون الذين ملأوا الشوارع يوماً دفاعاً عن كرامتهم؟ أين النقابات والاتحادات والهيئات الاقتصادية والجامعات والمثقفون؟ أين صوت الشباب الذين يدفعون ثمن دولة لم يشاركوا في صنع انهيارها؟ وكيف يمكن لشعب خسر كل شيء تقريباً أن يتعامل مع كل عبء جديد وكأنه قدر لا يمكن تغييره؟

ربما تعب الناس. وربما أرهقتهم الأزمات المتلاحقة حتى أصبح تأمين الطعام والدواء والقسط المدرسي أهم من متابعة الموازنة والسياسات العامة. وربما تعلم اللبناني، من كثرة الخيبات، أن الاعتراض لا يغير شيئاً. لكن هذا الصمت، مهما كانت أسبابه مفهومة، يتحوّل مع الوقت إلى أخطر حليف للسلطة. فعندما لا تواجه الحكومة اعتراضاً جدياً، تستنتج أن المجتمع قادر على تحمل المزيد، وأن جيوب المواطنين ستبقى المورد الأسهل، وأن الناس سيغضبون أياماً ثم يعودون إلى تدبير حياتهم بصمت.

يا أيها الشعب العنيد، لقد أثبتم طوال تاريخكم أنكم قادرون على الصمود، لكن الصمود لا يبقى فضيلة عندما يتحوّل إلى قدرة استثنائية على احتمال الظلم. لقد أصبح عنادكم في البقاء فرصة تستغلها السلطة للتهرب من مسؤولياتها. فكلما انهارت خدمة، وجدتم بديلاً. وكلما ارتفعت كلفة، خفضتم احتياجاتكم. وكلما سُدّ باب، فتشتم عن نافذة. أنتم تنقذون أنفسكم كل يوم، لكنكم، من حيث لا تقصدون، تنقذون أيضاً نظاماً يعيش على قدرتكم المذهلة على التكيف.

المطلوب ليس الفوضى، ولا تكسير ما تبقى من البلد، ولا تحويل الغضب إلى مواجهة بين اللبنانيين. المطلوب اعتراض سلمي ومنظم ومستمر، ومحاسبة سياسية ونقابية وانتخابية، ومطالبة علنية بكشف كلفة كل قرار وأهدافه ونتائجه. المطلوب أن تُسأل الحكومة، قبل فرض أي ضريبة: ماذا فعلتم لوقف الهدر؟ ماذا استعدتم من الأموال المنهوبة؟ ماذا أنجزتم في إصلاح الكهرباء والجمارك والمرافئ والإدارة؟ كيف ستوزع الأعباء؟ من سيحمي الفئات الأكثر ضعفاً؟ وأين الخطة الاقتصادية التي ستعيد النمو وتخلق فرص العمل وتسترد الثقة؟

وليس مقبولاً أن تتحوّل زيادة رواتب فئة مسحوقة إلى ذريعة لسحق فئات أخرى. موظفو القطاع العام وأساتذته وعسكريوه ومتقاعدوه يستحقون أجوراً تحفظ كرامتهم، لكن تمويل حقوقهم لا يكون بنقل الأزمة من جيب فقير إلى جيب فقير آخر. الدولة الحقيقية لا توزع الخسارة بين ضحاياها، بل تواجه من تسبب بها، وتبني إيراداتها على اقتصاد منتج، ونظام ضريبي تصاعدي وعادل، وإدارة شفافة، ومؤسسات تخضع للمحاسبة.

فماذا أنتم بفاعلون؟ هل ستواصلون دفع ثمن عجز الحكومات وصمت المجالس وفشل السياسات؟ هل ستقبلون بأن يصبح كل إخفاق رسمي ضريبة جديدة، وكل وعد بالإصلاح فاتورة إضافية؟ أم ستقررون أن العناد الحقيقي ليس احتمال المزيد، بل رفض الاستمرار في الطريق نفسه؟

إن الشعوب لا تفقد حقوقها دفعة واحدة، بل تفقدها في كل مرة تصمت فيها عن قرار ظالم، وفي كل مرة تتعامل فيها مع الإهانة باعتبارها أمراً واقعاً. ولبنان لن يتغير عندما تتبدل الوجوه وحدها، بل عندما يدرك المواطن أن الصبر لا يعفي السلطة من المحاسبة، وأن التكيف مع الانهيار ليس حلاً، وأن الدولة التي لا يسمع مسؤولوها صوت الناس تتحوّل سريعاً إلى سلطة لا ترى فيهم إلا أرقاماً في جداول الضرائب.

يا شعب لبنان، لا تسمحوا لهم بأن يجعلوا من صمودكم ذريعة لإفقاركم، ولا من صمتكم موافقة، ولا من حاجتكم وسيلة لإخضاعكم. لقد حان الوقت كي يصبح السؤال موجهاً إلى الحكومة أيضاً: قبل أن تمدّوا أيديكم مجدداً إلى جيوب اللبنانيين، ماذا فعلتم أنتم؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك