إلى الاتحاد العمالي العام…

حالة طوارىء اقتصادية ام حوار اجتماعي ثلاثي شامل؟

–

عقد الاتحاد العمالي العام اجتماعاً برئاسة بشارة الأسمر أعلن في ختامه الأسمر عن مطالبة الحكومة بإعلان حالة طوارئ اقتصادية فوراً، وتأليف لجنة برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، على أن تضم وزراء العمل والاقتصاد والمال المعنيين مباشرة للبحث جدياً بالوضع الاقتصادي المتفلّت. كما دعا لجنة المؤشر إلى الانعقاد فوراً، خاصة أننا أمام زيادات طرأت في القطاع العام تصل إلى 6 رواتب سنة 2027. واعتبر أنه في ظلّ هذا الوضع المعيشي الصعب لا بد من زيادة الحد الأدنى للأجر وبدل معيشة وزيادة ملحقات الراتب للقطاع الخاص. كما حدد يوم السبت القادم موعدا لإجتماع تصدر عنه قرارات قد يكون من بينها تنفيذ اضراب تحذيري.

“حالة الطوارئ هي إجراء استثنائي تتخذه السلطات في الدولة لمواجهة أزمات أو أخطار جسيمة تهدد الأمن أو النظام العام أو الصحة العامة أو الاقتصاد، ويترتب على ذلك وضع قانوني يخوّل الحكومة صلاحيات واسعة واستثنائية للتعامل مع ظروف طارئة”. هذا التعريف لحالة الطوارىء يستدعي الاستفسار من رئيس الاتحاد العمالي العام عمّا قصده في تصريحه ومناقشته، على امل ان يعتبر ذلك هو وقيادة الاتحاد، وقبل اجتماع السبت، بمثابة مساهمة شخصية في بلورة المواقف، في ظل ظروف بالغة التعقيد تتطلب تضافر الجهود حفاظا على مصالح الاجراء في لبنان.

١- ماهي الظروف التي اعتبرها الأسمر طارئة وتتطلب إعلان حالة طوارىء اقتصادية؟

يقول في تصريحه: “أمام حالة الفلتان والتفلت والانفلات التي نشهدها، إن على الصعيد الاقتصادي أو الأمني أو الاجتماعي، يجب إعلان حالة طوارئ اقتصادية فورا للبحث في الوضع الاقتصادي المتفلت، فلا شيء مراقب في الأسواق.”

إذن، الظروف الطارئة، كما يظهر من التصريح، هي فلتان الأسعار. هل يعني ذلك أن “الفلتان والتفلت والانفلات” هي المشكلة التي يجب معالجتها، ام هي ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بفلتان او بدونه، وذلك نتيجة كون معظم السلع مستوردة، ولا سيما المحروقات من بينها؟ وهل يمكن اعتبار ذلك حدثا اقتصاديا طارئا، أم انه في الواقع من ثوابت الاقتصاد اللبناني التي زاد من حدّتها الانهيار المالي والاقتصادي الحاصل منذ حوالي العقد؟ وتاليا، هل مشكلة تدني القدرة الشرائية للأجور هي أيضا نتيجة هذا الفلتان، أم أنها ظاهرة قديمة تفاقمت أيضا مع الانهيار المالي والاقتصادي، بحيث تراجعت حصة الأجور من الناتج المحلي من 55% في فترة ما قبل الحرب إلى أدنى من 20% اليوم؟ وعليه، ما نشهده اليوم ليست حالة طارئة، بل تداعيات لأزمة متمادية ومستفحلة منذ سنوات طويلة، وهذا، على ما اعتقد، ما يستوجب مواجهته.

٢- التساؤل الثاني هو ما إذا كان الاتحاد العمالي العام، من خلال المطالبة بإعلان حالة طوارئ اقتصادية، يريد منح الحكومة صلاحيات واسعة واستثنائية للتعامل مع الظروف الاقتصادية، وماذا يكون دوره في هذه الحالة؟ إذا كانت المشكلة في فلتان الأسعار، يمكن تقبل فكرة الصلاحيات الاستثنائية لمراقبتها وضبطها ومعاقبة المتسببين بها.

لكن لأن المشكلة أعمق وأشمل من مسألة الفلتان، من الأفضل مقاربتها على حقيقتها كأزمة مالية -اقتصادية -اجتماعية شاملة، لا تتطلب إعلان حالة طوارئ اقتصادية تمنح الحكومة الحق في اتخاذ قرارات انفرادية، بل العكس تماما، اي حوار اجتماعي ثلاثي يشارك فيه الاتحاد العمالي العام وإلى جانبه النقابات والروابط المعنية، إضافة الى ممثلين عن الدولة واصحاب العمل، بحيث تأتي القرارات الاقتصادية- الاجتماعية أكثر عدالة وإنصافا للأجراء، على عكس السياسات المعتمدة إحاديا من الحكومة، حتى الآن.

هذا الحوار الاجتماعي الثلاثي هو ما يجب أن يكون ملحا وفوريا، وقد تأخرت كثيرا المطالبة به وبضرورته من الأطراف الثلاثة: الدولة وأصحاب العمل والعمال. فأمام أزمة- اقتصادية مالية- اجتماعية شاملة مثل التي نعيشها، على الأطراف الثلاثة تحمل مسؤولية مواجهتها وإيجاد الحلول المناسبة لها.

٣- عندما أدعو إلى حوار اجتماعي ثلاثي شامل، أعني بذلك إطلاق ورش حوار في جميع مؤسسات الحوار الاجتماعي الثلاثي: الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لجنة المؤشر، المؤسسة الوطنية للاستخدام، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، من خلال مقاربة لسياسة الأجور وليس فقط لمؤشر الغلاء( لجنة المؤشر)، ولسياسة الاستخدام( المؤسسة الوطنية للاستخدام) ولسياسة التقديمات الاجتماعية(مؤسسة الضمان الاجتماعي) وللسياسة الاقتصادية العامة(المجلس الاقتصادي والاجتماعي).

٤- جرى حتى الآن مواجهة الأزمة الاجتماعية من خلال تحركات قطاعية متفرقة: تحركات نقابات النقل البري، تحركات روابط القطاع العام، موظفين وأساتذة وعسكريين، تحركات نقابات المصالح المستقلة، تحركات الاتحاد العام، وتحركات أخرى متفرقة. لقد كررتُ مرارا أن أزمة اقتصادية مالية شاملة لا يمكن ان تجد حلولا اجتماعية لها من خلال مقاربات قطاعية، حيث تتناتش فئات الاجراء المختلفة أموال موازنة شبه مفلسة للدولة.

ألم يحن الوقت لمقاربة شاملة بحجم الأزمة، يشارك فيها جميع الأطراف المعنيين بالتكافل والتضامن؟ أليس الوقت مناسبا اليوم للمطالبة بقوة وباصرار بحق المشاركة في مناقشة موازنة الدولة لسنة 2027، المطروحة اليوم على طاولة مجلس الوزراء، وكسياسة مالية واقتصادية عامة للدولة، وفي صلبها مسألة الضرائب؟

٥- المطالبة بفتح الأبواب لحوار اجتماعي ثلاثي شامل لا يعني التوقف عن الضغط على السلطات، لكن على أن يكون الضغط من خلال تحالف واسع ورؤية واضحة وهدف محدد: إجبار الدولة وأصحاب العمل على التحاور مع ممثلي الأجراء، وصولا إلى قرارات معيارها الأول تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الأرباح، كما في تقاسم الخسائر.

أما بالنسبة لوسائل الضغط، القطاع العام قادر على استخدام الإضراب، في حين أن أجراء القطاع الخاص، غير المنظمين في معظمهم في نقابات، يحتاجون إلى تعبئة طويلة الأمد، ليس بمستطاع الاتحاد العمالي العام القيام بها بقدراته الذاتية.
الاعتصامات والتظاهرات أسهل في هذه الحالة، لكنها أيضا تتطلب تعبئة كي لا تبدو هزيلة كما العادة.

أعتقد بأن الضغط من أجل إطلاق ورش الحوار الاجتماعي الثلاثي يجب أن يتأتى في الدرجة الأولى من ممثلي العمال في مؤسسات الحوار الاجتماعي الثلاثي، عبر الدعوة إلى اجتماعات طارئة وتفعيل عمل هذه المؤسسات، وربما يتطلب ذلك اعتصامات داخل هذه المؤسسات.

٦- هل هناك من حاجة للتحذير من انخراط التحركات النقابية المقبلة في أعمال لزعزعة الاستقرار السياسي والتسبب بإسقاط الحكومة، تحقيقا لأهداف لا تمت بصلة إلى المطالب العمالية؟ إن إسقاط الحكومة يعني ببساطة ضياع المطالب العمالية وتأجيل معالجتها إلى أجل غير مسمى، إذ إن ذلك سيدخلنا في أزمة وطنية أشمل وأخطر، يرافقها المزيد من الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك