هل يخسر لبنان فكرة الحياة الطبيعية بعد أن خسر كل ماله

منذ عام 2019، لم يعد لبنان أمام أزمة اقتصادية منفردة. البلد دخل في سلسلة أزمات متداخلة، انهيار مالي ومصرفي، تراجع حاد في قيمة العملة، تدهور في الخدمات العامة، أزمات سياسية ومؤسساتية، ثم حروب ونزوح ودمار. والأرقام تقول إن الثمن كان هائلاً...

خاص بوابة بيروت

هناك خسارات يمكن حسابها. نحسب الأموال التي تبخرت، قيمة العملة التي انهارت، البيوت التي تضررت، المؤسسات التي أغلقت، والطرق التي دُمّرت. لكن هناك خسارة أخرى لا تظهر في جداول المصارف ولا في تقارير المؤسسات الدولية.

خسارة أصعب من كل الأرقام. خسارة الإيمان بأن الحياة الطبيعية في لبنان ما زالت ممكنة. وهنا ربما تكمن المعضلة الأعمق.

لأن الوطن لا يعيش فقط بالاقتصاد، ولا بالحدود، ولا بالمؤسسات. الوطن يعيش أيضاً بفكرة موجودة في رأس المواطن، أن هذا البلد، رغم كل شيء، يستطيع أن يمنحه غداً أفضل من أمسه. فماذا يحدث عندما يبدأ المواطن بفقدان هذه الفكرة؟

يبدأ بالرحيل، أو بالصمت، أو بالتأقلم مع المستحيل، أو بتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والانهيار إلى «أمر واقع»، والأزمة إلى أسلوب حياة. وهذا بالضبط ما يجب أن يقلقنا، نحن لا نعاني من أزمة واحدة.

منذ عام 2019، لم يعد لبنان أمام أزمة اقتصادية منفردة. البلد دخل في سلسلة أزمات متداخلة، انهيار مالي ومصرفي، تراجع حاد في قيمة العملة، تدهور في الخدمات العامة، أزمات سياسية ومؤسساتية، ثم حروب ونزوح ودمار. والأرقام تقول إن الثمن كان هائلاً.

يصف البنك الدولي ما حدث منذ 2019 بأنه من أشد الانهيارات الاقتصادية والمالية في تاريخ لبنان، ويشير إلى أن الليرة فقدت نحو 98% من قيمتها. وفي بداية 2026، بدا أن الاقتصاد بدأ يستعيد بعضاً من عافيته، فسجّل الناتج المحلي نمواً في 2025، لكن تجدد الصراع قلب هذا المسار مجدداً. وفي أحدث تقدير له، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني 6.4% خلال 2026.

أي أننا لم نعد أمام بلد يحاول فقط الخروج من حفرة. نحن أمام بلد بالكاد يصعد من حفرة حتى يجد نفسه أمام حفرة أخرى.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الاقتصاد، كم مرة يستطيع وطن أن يبدأ من الصفر قبل أن يفقد المواطن ثقته بفكرة البداية نفسها؟

أخطر ما يحدث ليس أن اللبناني يهاجر والهجرة ليست ظاهرة جديدة في لبنان.

لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما لا يعود اللبناني يغادر بحثاً عن فرصة أفضل فقط، بل يغادر لأنه لم يعد يرى في بلده مساحة كافية لبناء مستقبله.

والبنك الدولي نفسه يحذر من أن استمرار النزوح، وتضرر التعليم والصحة، واحتمال مغادرة العمال ذوي المهارات، يمكن أن تترك آثاراً طويلة الأمد على قدرة الاقتصاد اللبناني على الإنتاج والنمو.

وهنا يجب أن نتوقف. لأن خسارة طبيب ليست فقط خسارة طبيب. وخسارة مهندس ليست فقط خسارة مهن

وخسارة رجل أعمال أو أستاذ أو باحث أو شاب متعلم ليست مجرد خسارة فرد. إنها خسارة جزء من قدرة البلد على إنتاج مستقبله.

الوطن لا يُبنى فقط بالحجر، الوطن يُبنى بالعقول التي تقرر أن تبقى. المشكلة عندما يصبح غير الطبيعي طبيعياً.

ربما أخطر ما فعله الانهيار اللبناني بعقل المواطن أنه علّمه كيف يتعايش مع ما كان يفترض أن يكون غير مقبول.

أن تنقطع الكهرباء؟ نجد حلاً. أن تنهار العملة؟ نتأقلم. أن تتراجع الخدمات؟ ندفع من جيوبنا. أن تتعطل المؤسسات؟ نبحث عن واسطة. أن يعيش البلد على المساعدات والتحويلات؟ نتدبر أمرنا. أن يغادر أولادنا؟ نقول لهم المهم مستقبلكم.

أن تتكرر الأزمات الأمنية والسياسية؟ نقول، إن شاء الله تمر.

وهكذا، شيئاً فشيئاً، تحوّل اللبناني من مواطن يطالب بحياة طبيعية إلى مواطن محترف في إدارة الحياة غير الطبيعية.

وهذه نقطة يجب ألا تمرّ مرور الكرام. لأن قدرة الشعب على الصمود فضيلة.

لكن عندما يصبح الصمود بديلاً عن الإصلاح، يتحول إلى فخ.

لبنان الذي يستطيع تحمّل كل شيء قد يخسر قدرته على رفض أي شيء، هذه ربما أقسى جملة في القصة كلها.

اللبناني مشهور بقدرته على البقاء. لكن السؤال ليس، هل يستطيع اللبناني أن يبقى؟ لقد أثبت ذلك مرات لا تحصى.

السؤال هو، هل يستطيع اللبناني أن يعيش؟ هناك فرق هائل بين البقاء والحياة. البقاء يعني أن تجد طريقة لتجاوز الأزمة.

أما الحياة فتعني أن تخطط لعشر سنوات إلى الأمام، أن تشتري منزلاً لأنك تؤمن أنك ستبقى. أن تؤسس شركة لأنك تثق بالسوق.

أن ترسل ابنك إلى الجامعة وأنت تفكر بمستقبله داخل البلد، لا فقط بجواز سفره. أن تتقاعد وأنت تعرف أن الدولة لن تتركك وحيداً. أن تختلف سياسياً مع الآخر من دون أن تخاف من أن يتحول الاختلاف إلى أزمة وطنية. هذه هي الحياة الطبيعية.

وهذه هي الفكرة التي يجب أن نستعيدها قبل أي شيء آخر. لا يمكن بناء المستقبل بعقلية تدبير الحال، لبنان يحتاج إلى أكثر من تعافٍ اقتصادي. يحتاج إلى استعادة مفهوم الدولة القادرة على تقديم الخدمات، حماية الحقوق، تطبيق القانون، وإدارة المال العام بكفاءة. وهذا ليس كلاماً مثالياً.

البنك الدولي نفسه يربط استعادة الثقة والتعافي المستدام باستمرار الإصلاحات، ولا سيما في القطاع المصرفي والإدارة المالية العامة. كما أقر في كانون الثاني 2026 تمويلاً بقيمة 350 مليون دولار لبرامج تتعلق بالحماية الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، والتحول الرقمي للخدمات العامة. أي أن الطريق معروف و الإصلاحات معروفة و الحاجات معروفة و الأضرار معروفة.

لكن السؤال الذي يبقى هو، هل يستطيع لبنان أن يحوّل معرفته بالمشكلة إلى قدرة فعلية على تغييرها؟ لا نحتاج إلى لبنان مثالي

وهنا يجب أن نكون واقعيين. لا أحد يطلب لبناناً بلا مشاكل، ولا توجد دولة في العالم بلا أزمات. المطلوب ليس أن يصبح لبنان دولة مثالية. المطلوب أن يصبح دولة طبيعية. دولة تختلف فيها الأحزاب ولا تنهار الدولة. دولة تتغير فيها الحكومات ولا تتغير معها قواعد اللعبة. دولة يختلف فيها المواطنون على السياسة، لكنهم يتفقون على الوطن.

دولة يستطيع فيها الشاب أن يحلم من دون أن تكون أول خطوة في تحقيق حلمه هي شراء تذكرة سفر باتجاه واحد.

دولة يصبح فيها النجاح قصة تُبنى في لبنان، لا قصة تُروى عنه من الخارج.

المعركة الحقيقية ليست فقط على ما خسره لبنان بل على ما إذا كان يستطيع أن يستعيد ما خسره.

قد نستطيع إعادة بناء الطرق. قد نستطيع إعادة إعمار الأبنية. قد نستطيع إصلاح المصارف. قد نستطيع جذب الاستثمارات.

وقد نستطيع إعادة تشغيل الاقتصاد. لكن هناك شيئاً لا يمكن لأي مؤتمر مانحين أن يعيده إلى لبنان.

الثقة. الثقة بأن الغد يستحق أن نخطط له. الثقة بأن الدولة قادرة. الثقة بأن القانون ليس امتيازاً. الثقة بأن الاستثمار لن يتحول إلى مخاطرة سياسية. والأهم الثقة بأن الوطن ليس محطة مؤقتة في حياة أبنائه.

هذه الثقة لا تُشترى ولا تُستورد ولا تُمنح بقرار دولي.

إنها تُبنى عندما يرى المواطن أن المؤسسات تعمل، وأن القانون يطبق، وأن الإصلاح يصبح فعلاً لا شعاراً، وأن الخلاف السياسي لا يتحول كل مرة إلى فاتورة يدفعها البلد كله.

لبنان يحتاج إلى استعادة فكرة واحدة ربما أخطأنا طوال السنوات الماضية عندما تعاملنا مع كل أزمة باعتبارها الأزمة الأكبر.

مرة كانت الأزمة اقتصادية. ثم مالية. ثم مصرفية. ثم سياسية. ثم أمنية. ثم اجتماعية. ثم أزمة نزوح. ثم أزمة إعادة إعمار.

لكن خلف كل هذه الأزمات توجد أزمة واحدة أعمق، أزمة الثقة بقدرة لبنان على أن يكون لبناناً طبيعياً.

ولذلك فإن إعادة بناء لبنان لا تبدأ فقط بالإسمنت، ولا بالمصارف، ولا بالمساعدات. تبدأ من مكان أقل وضوحاً وأكثر أهمية.

من إعادة بناء فكرة المستقبل، أن يؤمن اللبناني بأن ابنه يستطيع أن يكبر هنا. أن يؤمن المستثمر بأن أمواله يمكن أن تكبر هنا.

أن يؤمن الشاب بأن طموحه يمكن أن يتحقق هنا. وأن يؤمن المواطن بأن الدولة التي يدفع لها الضرائب تستطيع أن تعطيه في المقابل شيئاً بسيطاً جداً.

حياة طبيعية. فلبنان لم يخسر أمواله فقط. ولم يخسر فرصاً فقط. ولم يخسر سنوات فقط.

لقد خسر، خلال سنوات طويلة من الأزمات، جزءاً من إيمانه بأن الطبيعي ممكن. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.

ليس فقط أن نعيد بناء لبنان الذي تهدّم، بل أن نعيد إلى اللبناني إيمانه بأن هناك لبناناً يستحق أن يُبنى.

لأن الوطن الذي يفقد أرضاً يستطيع استعادتها. والوطن الذي يفقد أموالاً يستطيع تعويضها. والوطن الذي يخسر أبنية يستطيع إعادة إعمارها. لكن عندما يفقد شعبه الإيمان بالمستقبل، فإن إعادة الإعمار تصبح مجرد إعادة بناء للحجر.

أما الوطن، فيبقى بحاجة إلى أن يُبنى من جديد.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك