الدليل الصوتي في عصر الذكاء الاصطناعي : إشكالية الأصالة والحجية أمام القضاء اللبناني

لا يكرّس الدستور اللبناني الحق في الخصوصية بنص مستقل، لكنه يصون الحرية الشخصية في المادة 8 وحرمة المنزل في المادة 14، فضلاً عن التزام لبنان، بموجب مقدمة الدستور، بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية...

خاص بوابة بيروت

لم يعد السؤال الذي يطرحه التسجيل الصوتي أمام القضاء مقتصراً على مشروعية تسجيل شخص خلسةً. فالذكاء الاصطناعي أضاف سؤالاً أخطر يسبق البحث في المشروعية: هل قال الشخص الكلام المنسوب إليه أصلاً؟

لقد بات ممكناً توليد صوت يحاكي صوت شخص حقيقي، أو تعديل تسجيل أصلي بحذف كلمات أو إضافتها أو تغيير سياقها. وهكذا انتقلت المشكلة من الدليل غير المشروع إلى الدليل المصطنع، بينما لا يتضمن القانون اللبناني حتى اليوم نظاماً خاصاً يحدد كيفية التحقق من أصالة التسجيل عند الادعاء بأنه مولّد أو معدّل بالذكاء الاصطناعي.

وتستدعي هذه الثغرة التمييز بين مسائل ثلاث: أصالة الدليل، ومشروعية الحصول عليه، وحجيته القضائية.

أولاً ـ الخصوصية والحق في الإثبات

لا يكرّس الدستور اللبناني الحق في الخصوصية بنص مستقل، لكنه يصون الحرية الشخصية في المادة 8 وحرمة المنزل في المادة 14، فضلاً عن التزام لبنان، بموجب مقدمة الدستور، بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

وترجم المشرّع هذه الحماية في القانون رقم 140/1999 الذي جعل سرية التخابر مصونة، وحظر التنصت والمراقبة والاعتراض إلا ضمن الحالات والأصول المحددة قانوناً. كما نصت المادة 2 من القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي على وجوب ألا تمس تكنولوجيا المعلومات هوية الشخص أو حقوقه أو حياته الخاصة أو حرياته، فيما ربطت المادة 4 الحجية القانونية للكتابة والتوقيع الإلكترونيين بإمكان تحديد مصدرهما وضمان سلامتهما.

لكن ثمة فارقاً أساسياً بين القول إن الحصول على التسجيل غير مشروع والقول إن التسجيل غير أصيل. الأول يفترض وجود تسجيل حقيقي ويسأل عن كيفية الحصول عليه، أما الثاني فيشكك في وجود الواقعة ذاتها.

ثانياً ـ التسجيل السرّي بين الاستقامة وحرية الإثبات

في المواد المدنية، تقضي المادة 133 من قانون أصول المحاكمات المدنية بتقيد الخصوم بمبادئ الاستقامة في الإثبات، الأمر الذي جعل التسجيل الخفي، ولا سيما إذا اقترن بالخداع أو المناورة، موضع تحفظ قضائي. أما جزائياً، فالمقاربة أكثر مرونة في ضوء مبدأ حرية الإثبات الذي تكرسه المادة 179 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، مع بقاء الدليل خاضعاً للمناقشة الوجاهية وتقدير المحكمة.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في ضوء القرار رقم 455/2026 الصادر عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان بتاريخ 18/6/2026، في قضية ارتبطت بتسجيل صوتي أجراه أحد أطراف المحادثة خفية. وقد أبرز القرار تمييزاً مهماً بين إجراء التحقيق الذي تقوم به السلطة العامة وبين عنصر الإثبات الذي يحصل عليه شخص خاص ويقدمه إلى القضاء، فضم الأخير إلى الملف لا يحوله بذاته إلى إجراء تحقيق باطل، بل يبقى دليلاً يخضع للمناقشة والتقدير القضائي.[1]

غير أن الـDeepfake يضعنا أمام مرحلة منطقية سابقة: فقبل أن يسأل القاضي عما إذا كان التسجيل مشروعاً أو مقبولاً، ينبغي أن يعرف هل هو حقيقي أصلاً؟

ثالثاً ـ من يتحمل عبء إثبات الأصالة؟

لنفترض أن دائناً يبرز تسجيلاً يتضمن إقرار المدين بالدين، أو أن النيابة العامة تستند إلى تسجيل يتضمن طلب رشوة، فيجيب المنسوب إليه الصوت، “هذا صوت صنعه الذكاء الاصطناعي”. إذا كان مجرد هذا الإنكار كافياً، أصبح من السهل تجريد التسجيلات الحقيقية من قيمتها. أما إذا افترضنا صحة كل تسجيل حتى يثبت العكس، فقد نحمّل شخصاً نتائج كلمات لم يقلها قط.

من هنا تبرز الحاجة إلى قاعدة ذات مرحلتين:

أولاً، عبء إثارة منازعة جدية في الأصالة يقع على من يدعي التزييف. وثانياً، متى قدم قرائن جدية عليه، ينتقل عبء إثبات الأصالة إلى من يتمسك بالتسجيل. وهذا يمنع ما بات يعرف في الفقه المتخصص بـliar’s dividend، أي استفادة الكاذب من مجرد وجود تقنية التزييف لإنكار دليل حقيقي.

رابعاً ـ القانون المقارن: حلول بدأت تتبلور

يقدم القانون الكندي نموذجاً واضحاً. فالمادة 31.1 من Canada Evidence Act تلقي على من يطلب قبول مستند إلكتروني عبء إثبات أصالته بأدلة تسمح باستنتاج أنه بالفعل ما يدعي مقدمه أنه هو. وتربط المادة 31.2 قاعدة أفضل دليل بسلامة النظام الإلكتروني الذي سُجل المستند أو حُفظ فيه.[2]

وفي الولايات المتحدة، تناقش اللجنة الاستشارية لقواعد الإثبات الفدرالية تعديلاً للقاعدة 901 لمواجهة الـDeepfake. والفكرة المطروحة تقوم على مرحلتين: لا يكفي ادعاء عام بالتزييف، بل يجب على المعترض تقديم عناصر تسمح بإثارة احتمال جدي بأن الدليل صُنع أو عُدّل بالذكاء الاصطناعي، وعندئذ ينتقل إلى مقدمه عبء إثبات أصالته. ومن المؤشرات الفنية المطروحة: اضطراب البيانات الوصفية، والتواريخ غير المتسقة، وآثار التعديل، وعدم تقديم الملف الأصلي، والانقطاع في سلسلة الحيازة. والمهم أن هذا الاتجاه ما زال، حتى أيلول 2026، مشروعاً قيد البحث وليس قاعدة نافذة.[3]

أما الاتحاد الأوروبي فسلك طريقاً وقائياً. فالمادة 50 من AI Act تفرض، ضمن نطاق تطبيقها، جعل المحتوى الاصطناعي قابلاً للكشف آلياً، كما توجب الإفصاح عن كون الصورة أو الصوت أو الفيديو الذي يشكل Deepfake مولداً أو معدلاً بالذكاء الاصطناعي.[4]

وتقدم فرنسا عنصراً مكملاً. فقد قررت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في 22/12/2023 أن عدم مشروعية أو عدم نزاهة الحصول على دليل مدني لا يقتضي استبعاده تلقائياً، بل على القاضي الموازنة بين الحق في الإثبات والحقوق المتعارضة معه، فيمكن قبوله إذا كان ضرورياً لممارسة الحق في الإثبات وكان المساس بالحق الآخر متناسباً بصورة صارمة مع الغاية المنشودة.[5]

خامساً ـ نحو اختبار قضائي لبناني ثلاثي

يمكن للقضاء اللبناني، حتى قبل تدخل المشرع، اعتماد منهج من ثلاث مراحل:

الأصالة أولاً، هل التسجيل حقيقي وغير مولد أو معدل جوهرياً؟

المشروعية ثانياً، كيف جرى الحصول عليه؟ وهل انتهكت الخصوصية أو سرية الاتصالات أو مبادئ الاستقامة؟

الحجية ثالثاً، ما قيمته في الإثبات، وهل كان تقديمه ضرورياً ومتناسباً مع الحق المراد حمايته؟

وتكمن أهمية ترتيب المراحل في أن البحث في مشروعية تسجيل لا معنى له إذا كان التسجيل نفسه مصطنعاً.

سادساً ـ اقتراح تشريعي

يمكن إدخال الأحكام الآتية، مع ما يلزم من مواءمة، إلى قانوني أصول المحاكمات المدنية والجزائية:

المادة الأولى ـ الأصالة:

“عند قيام منازعة جدية في أصالة تسجيل صوتي أو بصري أو سمعي بصري أو أي محتوى رقمي، يقع على من يتمسك به عبء تقديم العناصر الكافية لإثبات مصدره وسلامته وعدم تعرض مضمونه لتوليد أو تعديل جوهري بواسطة الذكاء الاصطناعي أو تقنية مماثلة”.

المادة الثانية ـ المنازعة الجدية:

“لا يكفي مجرد إنكار الدليل أو الادعاء بإمكان توليده اصطناعياً لنقل عبء إثبات أصالته، بل على المعترض تقديم وقائع أو قرائن محددة من شأنها إثارة شك جدي فيها”.

المادة الثالثة ـ سلطة المحكمة:

“للمحكمة، عفواً أو بناءً على طلب الخصوم، أن تأمر بتقديم الملف الرقمي الأصلي وفحص بياناته التقنية وسجل تعديله وسلسلة حيازته، وأن تستعين بخبير مختص. ولا يحول ثبوت الأصالة دون بحث مشروعية الحصول على الدليل وحجيته، في ضوء حقوق الدفاع والخصوصية وضرورته والتناسب بين المساس بالحق والغاية القضائية المنشودة”.

خاتمة

لم يعد التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على القضاء تقنياً فحسب، فهو يمس جوهر الوظيفة القضائية: تمييز الحقيقة من المصطنع. ولذلك يبدو أن القانون اللبناني يحتاج إلى مبدأ إثباتي جديد لا يفترض زيف التسجيل لمجرد إنكاره، ولا يفترض صحته لمجرد تشابه الصوت. والحل الأكثر توازناً هو اشتراط منازعة جدية في الأصالة، ينتقل بعدها عبء التحقق إلى مبرز الدليل، مع منح المحكمة صلاحيات واسعة في الخبرة الرقمية.

ويمكن اختصار القاعدة المنشودة بعبارة: لا حجية قبل الأصالة، ولا سقوط للأصالة بمجرد الإنكار.

فالقاعدة التقليدية كانت تسأل، كيف حصلت على التسجيل؟

أما عدالة عصر الذكاء الاصطناعي فعليها أن تسأل قبل ذلك، هل وقع هذا التسجيل أصلاً؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك