لبنان بين المال والتهديدات

إنّ مسؤولية النواب اللبنانيين، في ظلّ تعرّض سيادة لبنان للخطر واستمرار عجز الدولة عن بسط سلطتها كاملة على أراضيها، لا تقتصر على تسجيل المواقف، بل تقتضي استخدام صلاحياتهم الدستورية للمطالبة بتحرّك دولي واضح يحمي لبنان ويساعد على استعادة قراره الوطني.

خاص بوابة بيروت

الإرادة الجيّدة شيء، والنيّة في تنفيذ هذه الإرادة شيء آخر مختلف تمامًا. فكلّ تلكّؤ من الدولة اللبنانية سيُفسَّر، بعد اليوم، على أنّه تواطؤ بين المنظومة والمنظّمة. وهذا ليس في مصلحة العهد الجديد، الذي علّق اللبنانيون آمالهم عليه لاستعادة هيبة الدولة.

واليوم، بعد هذا العجز الفاضح، لم يعد أمام الأحرار سوى اللجوء إلى ما هو أوسع من مؤسسات الدولة، عملًا بالقوانين الدولية. فهل يتحرّك النواب لطلب حماية دولية تحت الفصل السابع؟

أموال الجنوب وإعادة بناء المنظومة المالية

منظّمة حزب الله تعلن إعادة بناء منظومتها المالية، فيما أعلن رئيس الحكومة اللبنانية أنّ قيمة المشاريع المتوقّع تلزيمها في الأقضية الجنوبية قبل نهاية عام 2026 ستبلغ نحو 70 مليون دولار، ضمن مشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)، المخصّص لإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية.

وثاني هذه المعطيات ما أوردته وكالة رويترز في 7 تشرين الأول عن تحويل 200 مليون دولار من إيران إلى حزب الله، بحسب مصدرين مطّلعين، بهدف مساعدة النازحين، وهو ما نفته واشنطن وشكّكت في صحّته.

وثالثها تقرير إعلامي في 14 تشرين الأول عن شروع بعض البلديات الجنوبية في توزيع أموال تحت عنوان قروض للمشاريع الصغيرة ودعم أصحاب المصالح، وسط تساؤلات عن مصادر التمويل، من دون توافر معلومات موثّقة تحسم مصدر هذه الأموال أو حجمها.

وبين التمويل الرسمي المخصّص للإعمار، والتحويلات المنسوبة إلى جهات حزبية، والأموال التي يجري تداولها محليًّا، تبرز ضرورة الشفافية والإفصاح عن مصادر الأموال وآليات توزيعها والجهات المستفيدة منها، بما يضمن وصول الدعم إلى المتضرّرين بعيدًا من أيّ توظيف سياسي أو غموض مالي.

تهديدات كاتس والاحتلال والتهجير

تزامنت هذه المعطيات مع ارتفاع وتيرة التهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران، وتهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع الاحتلال في جنوب لبنان وتهجير أكثر من مليون شخص، محدّدًا انتماءهم الطائفي بأنّهم «شيعة».

وصرّح كاتس بأنّ حزب الله سيتلقّى «ضربة قاسية» وسيخسر مزيدًا من الأراضي اللبنانية في منطقتَي النبطية والليطاني، إذا انضمّ إلى إيران في أيّ هجوم على إسرائيل، مشيرًا إلى أنّ هذه المناطق ستصبح جزءًا من «المنطقة الأمنية الدائمة» لإسرائيل.

وأكد كاتس أنّ الجيش الإسرائيلي مستعدّ لتنفيذ عملية برّية، ملوّحًا بإخلاء السكان الشيعة شمالًا حتى نهرَي الأوّلي والزهراني، واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات قد تؤدّي إلى نزوح أكثر من مليون شخص في لبنان. كما شدّد على أنّ إسرائيل لن تنسحب من المناطق الأمنية التي تحتلّها في لبنان وسوريا.

الحكومة والقرارات المعطّلة

تنذر هذه المعطيات كلّها بسيناريوهات خطيرة جدًّا تُحاك للبنان والمنطقة. وبالتالي، لم يعد مسموحًا للدولة اللبنانية أن تبقى بلا حماية وضمانات دولية.

ويجب أن تبدأ الحماية المطلوبة، أوّلًا، بتطبيق القرارات السياسية التي أصدرتها هذه الحكومة. لكنّ هذا المطلب، على ما يبدو، فقد صلاحيّته وبات خارج الخدمة. لذلك، أصبح مطلوبًا البحث عن بديل يتجاوز ما تستطيع الحكومة اللبنانية تحقيقه في ظلّ الواقع الراهن.

الفصل السابع: تحرّك قبل فوات الأوان

إنّ مسؤولية النواب اللبنانيين، في ظلّ تعرّض سيادة لبنان للخطر واستمرار عجز الدولة عن بسط سلطتها كاملة على أراضيها، لا تقتصر على تسجيل المواقف، بل تقتضي استخدام صلاحياتهم الدستورية للمطالبة بتحرّك دولي واضح يحمي لبنان ويساعد على استعادة قراره الوطني.

فالمادتان 17 و65 من الدستور اللبناني، المعدّل بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 أيلول 1990، تؤكّدان مركزية السلطة التنفيذية ومجلس الوزراء في إدارة شؤون الدولة والقوات المسلحة، فيما تنصّ المادة 52 على دور رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وموافقة مجلس الوزراء على إبرامها.

ولا تمنع هذه الأحكام النواب من تقديم عريضة أو مذكّرة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب والحكومة والأمم المتحدة، للمطالبة بمراجعة التفويض الدولي أو بحث خيارات أكثر فاعلية لحماية الحدود ودعم الجيش اللبناني.

دوليًّا، تمنح المواد 39 و41 و42 من ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن صلاحية تحديد وجود تهديد للسلم واتخاذ تدابير مناسبة، قد تصل إلى استخدام القوة وفق شروط الميثاق. كما تشكّل القرارات 1559 الصادر في 2 أيلول 2004، و1701 الصادر في 11 آب 2006، و2790 الصادر في 28 آب 2025، مراجع أساسية في البحث في سيادة لبنان وحصرية السلاح ومستقبل اليونيفيل، التي تقرّر إنهاء ولايتها والبدء بسحبها اعتبارًا من نهاية عام 2026.

وعليه، فإنّ المطلوب من النواب ليس تجاوز الدستور أو التفريط بالسيادة، بل المبادرة إلى طلب دراسة رسمية لخيارات دولية قابلة للتطبيق، بما فيها إمكان استصدار قرار جديد من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، إذا توافرت شروطه، مع تحديد مهمّته وصلاحياته وضماناته بوضوح.

فالتذرّع بالسيادة لرفض كلّ تحرّك دولي، فيما تعجز الدولة عن فرض سلطتها، يطرح تناقضًا يستوجب المعالجة، تمامًا كما أنّ استدعاء قوة خارجية من دون تحديد تفويضها ومآلات تدخّلها قد يخلق مخاطر جديدة.

فالسيادة ليست شعارًا يُرفع لحماية الأمر الواقع، بل قدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم وحماية مواطنيها. ومن هنا، يصبح واجب النواب التحرّك الدستوري المسؤول، لا الاكتفاء بالمواقف، لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته ومساعدة لبنان على استعادة سلطته كاملة بوسائل قانونية واضحة. وإلّا، فالجرف قادم.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك