سوق السمك شعب بلا ثمن
ثمنه وقت يضيعه الناس في ملاحقة معاملة، وفرصة عمل تضيع بسبب الغموض، واستثمار يتراجع أمام غياب الثقة، وشاب يختار أن يبني مستقبله في مكان يستطيع فيه توقّع الغد. كل يوم يُستهلك في المساومة على مسؤولية عامة يُقتطع من حياة شخص لا يملك ترف التأجيل.
خاص بوابة بيروت
في سوق السمك، يرتفع الصوت كلما اشتدّت المنافسة. تتبدّل الأسعار، وتتداخل النداءات، ويبحث كل بائع عن زبون، وكل مشترٍ عن صفقة. وللسوق، رغم ضجيجه، غاية واضحة: أن تنتهي المساومة إلى بيع وشراء، وأن يعرف كل طرف ما أخذ وما دفع.
أما حين تصبح السياسة سوقًا، فإن المواطن يدفع ثمن صفقة لم يشارك في التفاوض عليها، وقد لا يعرف يومًا من قبض أرباحها. هذه هي الزاوية التي ينبغي أن ننظر منها إلى المأزق اللبناني: كيف تحوّلت إدارة الشأن العام إلى مساومة دائمة؟ وكيف أصبح الوصول إلى اتفاق بين القوى السياسية يُقدَّم بوصفه إنجازًا، حتى قبل السؤال عمّا يتضمنه الاتفاق، ومن يستفيد منه، وما إذا كان يخدم الدولة أصلًا؟
حين يُقاس القرار بمقدار ما يمنحه لكل طرف، تتراجع المصلحة العامة إلى آخر الطاولة. يصبح التعيين فرصة لتثبيت النفوذ، والمشروع مناسبة لتوزيع المكاسب، والإصلاح ملفًا قابلًا للتأجيل إلى أن تتوافر التسوية المناسبة. ومع تكرار هذا المنطق، تفقد المؤسسات قدرتها على العمل وفق قواعد مستقرة، ويصبح الاستثناء هو الطريق المعتاد لإنجاز الأمور.
في هذا السوق، لا تكون المشكلة في اختلاف الآراء. الاختلاف ضروري في أي حياة ديمقراطية. المشكلة تبدأ حين يتحوّل كل خلاف إلى وسيلة لرفع السعر السياسي، وحين تصبح قدرة المسؤول على التعطيل أهم من قدرته على تقديم حل. من يستطيع منع القرار يحصل على مقعد أقوى في المفاوضات، ومن يلتزم القواعد قد يجد نفسه خارج الحسابات. وهكذا يتعلّم النظام السياسي، مع الوقت، أن المكافأة تذهب إلى من يملك أدوات الضغط، بينما يتحمّل المواطن كلفة الانتظار.
وللانتظار ثمن لا يظهر كاملًا في الموازنات.
ثمنه وقت يضيعه الناس في ملاحقة معاملة، وفرصة عمل تضيع بسبب الغموض، واستثمار يتراجع أمام غياب الثقة، وشاب يختار أن يبني مستقبله في مكان يستطيع فيه توقّع الغد. كل يوم يُستهلك في المساومة على مسؤولية عامة يُقتطع من حياة شخص لا يملك ترف التأجيل.
الأخطر أن هذا الأسلوب يغيّر معنى الدولة في وعي الناس. حين يقتنع المواطن بأن حقه يحتاج إلى وسيط، تصبح علاقته بالمؤسسة ضعيفة، وعلاقته بصاحب النفوذ ضرورة. وحين يشعر بأن الكفاءة وحدها لا تكفي، يبدأ بالبحث عن الحماية التي تمنحه فرصة. عندها يعيد النظام إنتاج نفسه من خلال حاجات الناس وخوفهم، حتى لدى أولئك الذين يعترضون عليه.
هنا تصبح المسؤولية أوسع من إدانة الطبقة السياسية. علينا أيضًا أن نسأل عن الثقافة التي نقبل بها إدارة بلدنا: لماذا نصف صاحب التسوية بالبارع قبل أن نفحص نتائج تسويته؟ لماذا نحتفي بمن ينتزع حصة لجماعته أكثر ممن يحمي قاعدة عادلة للجميع؟ ولماذا تتحوّل مساءلة المسؤول، في كثير من النقاشات، إلى دفاع عن هويته وانتمائه؟
تمنح هذه الأسئلة الإصلاح معناه الحقيقي. فإصلاح الإدارة يبدأ من تغيير الطريقة التي يُصنع بها القرار، ومن جعل المسؤولية قابلة للتحديد والقياس.
كل مشروع عام يجب أن تكون له غاية معلنة، وكلفة واضحة، وجدول تنفيذ، وجهة تتحمّل مسؤولية التأخير. وكل تعيين يجب أن يستند إلى معايير يمكن شرحها والدفاع عنها. وكل إنفاق يحتاج إلى أثر يستطيع الناس مراجعته. أما الخلاف السياسي، فينبغي أن يُدار داخل المؤسسات، ضمن مهل وإجراءات تمنع تحويله إلى احتجاز مفتوح لمصالح المجتمع.
ويحتاج لبنان إلى إدارة سياسية استراتيجية تنظر إلى ما بعد التسوية المقبلة: ما الذي نريد للاقتصاد أن ينتجه؟ كيف نستعيد ثقة المواطن؟ أي مؤسسات نحتاج إليها؟ ومن يُحاسَب إذا أخفقت الخطة؟ من دون إجابات مترابطة، تبقى القرارات متفرقة، وتبقى كل أزمة فرصة جديدة لإعادة فتح المزاد.
إن أخطر ما قد يصيب بلدًا هو أن يعتاد أهله الفوضى حتى يروها طبيعة ثابتة فيه. عندها ينخفض سقف المطالبة من دولة عادلة إلى معاملة تُنجز، ومن حق مضمون إلى خدمة يمنّ بها أحد.
يستحق اللبنانيون أن يعرفوا كيف يُدار وطنهم، وأن يشاركوا في تحديد مستقبله، وأن يحاسبوا من يتولى مسؤوليتهم. ويستحقون أن تكون لحياتهم قيمة أعلى من قيمة الورقة التي تُستخدم باسمهم على طاولة التفاوض.
في سوق السمك، تنتهي المساومة حين يُحسم السعر.
أما في لبنان، فيجب أن تبدأ استعادة الدولة يوم نرفض أن تكون حقوق الناس ومستقبل أبنائهم معروضين للمساومة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير