خاص بوابة بيروت
في ١٧ تشرين ٢٠١٩، لم تنزل جمهورية الطوائف إلى الشارع؛ إنكشفت في الشارع.
فجأة، وجد النظام الذي إعتاد توزيع اللبنانيين على خاناتهم المذهبية نفسه أمام مشهد عصيّ على التصنيف: طرابلس تهتف مع صور، وبيروت مع البقاع والجبل، والمواطن يخرج، ولو للحظة، من عباءة الزعيم، ليطالب بحقه في أن يكون مواطناً قبل أن يكون تابعاً.
لم تكن الحكاية حكاية “واتساب”. كانت الشرارة التي أشعلت مواد تراكمت على مدى عقود: محاصصة، زبائنية، هدر، فساد، إقتصاد ينهار، ودولة لا تظهر إلا لتطلب من مواطنيها المزيد من الصبر والولاء والمال.
في تلك اللحظة، لم يكن اللبنانيون يطالبون بحصة أكبر من الجمهورية؛ كانوا يطرحون السؤال الذي تخشاه كل منظومة مغلقة: أين الجمهورية أصلاً ؟
كان “كلن يعني كلن” أكثر من شعار. كان لحظة خرج فيها الإعتراض من المفاضلة بين الزعماء إلى مساءلة الزعامة نفسها؛ من سؤال “مين أحسن”؟ إلى سؤال أكثر قسوة: لماذا بقي هؤلاء جميعاً؟
إستقال سعد الحريري في ٢٩ تشرين الأول. سقطت الحكومة، لكن المنظومة لم تسقط. وهنا ظهر الفارق بين إسقاط حكومة وإسقاط نظام: الأولى تحتاج شارعاً غاضباً؛ أما الثانية فتحتاج تنظيماً وقيادةً وبرنامجاً قادراً على تحويل الغضب إلى مشروع حكم.
وهذا ما لم ينجح ١٧ تشرين في إنجازه.
في ٢٠٢٢، دخل ١٣ نائباً مرتبطين بموجة التغيير إلى البرلمان، في إختراق إنتخابي لم يكن سهل التصور قبل تشرين. لكن سرعان ما ظهرت التناقضات: خلفيات سياسية مختلفة، خلافات على التحالفات والخيارات، ومحاولات مبكرة لإستيعاب بعض وجوه التغيير داخل المنظومة نفسها، قبل أن تتعمق الإنقسامات لاحقاً.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الأشد: المنظومات العميقة لا تحتاج دائماً إلى سحق خصومها؛ أحياناً يكفيها أن تستوعبهم، وتعيد توزيعهم، وتمنحهم مقعداً في اللعبة التي خرجوا أصلاً إلى الشارع لرفضها.
لم تسقط المنظومة في ١٧ تشرين، لكنها لم تخرج منه سالمة. إهتزت صورة الزعيم، وإنكشفت الزبائنية، وتصدّع الوهم بأن الطائفة يمكن أن تكون وطناً بديلاً عن الدولة.
وقد تتبدل الوجوه والتحالفات والشعارات. وقد تعود المنظومة كل مرة بثوب المنقذ، بعدما ساهمت في صناعة الكارثة.
لكن ما إنكسر في ١٧ تشرين ليس حكومةً ولا تحالفاً.
الذي إنكسر هو الوهم بأن هؤلاء قدرٌ سياسي.
١٧ تشرين لم يُسقط جمهورية الطوائف.
لكنه كشفها.
وهذه، مهما طال الزمن، ليست نهاية ثورة.
إنها بداية سقوط الوهم.
