لم يعد السؤال هل تقع الحرب، بل متى؟
إنّ القضية لا تتعلّق فقط بهوية أصحاب الشحنة أو بالوجهة التي كانت متّجهة إليها، بل بمدى قدرة القضاء والأجهزة الأمنية على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات من دون استثناءات. وقد أُدرج طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي على جدول أعمال مجلس الوزراء، فيما أمر القضاء باستدعاء مسؤولين في حزب الله للتحقيق في القضية...
خاص بوابة بيروت
لم تعد الساعة الرملية في الشرق الأوسط مجرّد صورة رمزية لوقت يتسرّب من بين الأصابع، بل باتت تعبيرًا عن مرحلة تتقلّص فيها المسافة بين التهديد والقرار، وبين المفاوضات والاستعداد للمواجهة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل نحن أمام حرب جديدة؟ بل: متى ستُعلن ساعة الصفر، وأيّ تسوية كبرى ستسبقها أو ترافقها، ومن سيدفع ثمنها في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد؟
إنّ تزامن التحرّكات الدبلوماسية والرسائل المتبادلة بين موسكو وطهران وبكين وإسلام آباد، وما تحمله من تحذيرات ومواقف حيال الحرب ومآلاتها، يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية. فهل تحاول هذه العواصم منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، أم أنّها تسعى إلى إعادة تموضعها قبل أن تتبلور صفقة دولية جديدة؟ وهل باتت إيران تدرك أنّ التحالفات التي استندت إليها طوال السنوات الماضية لا تعني بالضرورة أنّ حلفاءها مستعدّون لخوض حرب مفتوحة دفاعًا عنها؟
يستحضر هذا المشهد درسًا تاريخيًا قاسيًا من زمن صدام حسين. ففي عام 1990، لم تمنع الحسابات الخاطئة والقراءات الملتبسة للمواقف الدولية النظام العراقي من اجتياح الكويت، ثم جاء الردّ العسكري الدولي عام 1991 ليكشف حجم الفجوة بين ما اعتقدته بغداد من هامش للمناورة وما كان العالم مستعدًّا للسماح به. وفي عام 2003، سقط النظام العراقي تحت وطأة الغزو الأميركي، بعدما أخفقت رهاناته في فهم التحوّلات الاستراتيجية المحيطة به. ليست المقارنة بين العراق وإيران تطابقًا في الظروف أو النتائج، بل تذكير بأنّ الدول التي تخلط بين العلاقات السياسية والضمانات العسكرية قد تجد نفسها وحيدة عندما تنتقل القوى الكبرى من إدارة الأزمات إلى فرض الوقائع.
من هنا، لا تكمن خطورة اللحظة الراهنة في احتمال اندلاع الحرب فحسب، بل في أنّ المنطقة قد تكون أمام عملية إعادة توزيع للنفوذ، تتقدّم فيها الصفقات على الشعارات، والمصالح على التحالفات المعلنة، فيما تُترك الدول الصغيرة والشعوب لتدفع أثمان تفاهمات لم تكن طرفًا مباشرًا في صياغتها.
في هذا السياق، تبرز العلاقة الأميركية ـ الروسية بوصفها أحد المفاتيح المحتملة لفهم ما قد يجري في الشرق الأوسط. فهل يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يسعى إلى تسوية أوسع مع فلاديمير بوتين، تقوم على إعادة ترتيب الملف الأوكراني مقابل تفاهمات في ملفات أخرى، وفي مقدّمها إيران؟
تقوم إحدى الفرضيات المطروحة على أنّ واشنطن قد تكون مستعدّة للضغط باتجاه تغيير القيادة الأوكرانية أو تقليص هامش استقلال قرارها، بما يفتح المجال أمام نفوذ روسي أوسع، أو على الأقلّ أمام تفاهم يحدّد مناطق النفوذ الروسي والأميركي ـ الأطلسي في أوكرانيا.
وفي المقابل، قد تسعى واشنطن إلى انتزاع موقف روسي أقلّ دعمًا لطهران، أو إلى منع موسكو من توفير الغطاء السياسي والعسكري الذي تحتاج إليه إيران في مواجهة الضغط الأميركي والإسرائيلي.
لكنّ هذه الفرضية، على أهميتها، لا تزال استنتاجًا استراتيجيًا وليست صفقة مثبتة. فلا دليل معلن حتى الآن على وجود مقايضة مباشرة بين مستقبل أوكرانيا والموقف الروسي من إيران. ومع ذلك، فإنّ المؤشرات الاقتصادية والدبلوماسية تستحقّ التوقّف عندها.
ففي 21 تشرين الأول 2026، أُعلن عن شحنة ديزل روسية متجهة إلى الولايات المتحدة، يُفترض أن تغادر في اليوم التالي، في إطار تفاهمات مرتبطة بتخفيف قيود التصدير الروسية. ويأتي ذلك بعد اتصالات أميركية ـ روسية ومساعٍ لإحياء مسار التفاوض بشأن أوكرانيا بحسب ما ورد في وكالة رويترز.
لا تعني شحنة الديزل وحدها أنّ موسكو قرّرت التخلّي عن طهران، ولا أنّ واشنطن اشترت موقفًا روسيًا من إيران. لكنّها تكشف أنّ البراغماتية الاقتصادية قادرة على فتح قنوات تعاون بين خصمين، حتى في خضمّ نزاعات استراتيجية حادّة. وحين تتقدّم المصالح المتبادلة، يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن أن تتحوّل الطاقة والتجارة إلى مدخل لتفاهمات سياسية أوسع؟
إنّ روسيا ليست حليفًا بلا حسابات. فهي تنظر إلى إيران من زاوية مصالحها في القوقاز وبحر قزوين وأسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية، كما تنظر إلى الولايات المتحدة من زاوية الحرب في أوكرانيا والعقوبات وموقعها في النظام الدولي. وبالتالي، فإنّ أيّ تقاطع أميركي ـ روسي محتمل لن يكون بالضرورة تحالفًا، بل قد يكون تفاهمًا مرحليًا على حدود المصالح، تُترك فيه طهران أمام معادلة أكثر صعوبة إذا تراجعت قيمة أوراقها التفاوضية.
تكتسب التحرّكات الدبلوماسية المحيطة بإيران أهمية إضافية في ظلّ الحرب المفتوحة والتصعيد المتبادل. وقد حملت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، في 19 تشرين الأول، رسائل تتصل بالحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبالجهود الرامية إلى إنهائها.
لكنّ القراءة الدقيقة للموقف الروسي تُظهر أنّ موسكو لا تتحرّك بدافع التضامن وحده؛ فلديها مصالح في أسواق النفط، وحسابات تتعلّق بالصين وممرّات الطاقة، ومخاوف من توسّع الحرب إلى مستويات يصعب ضبطها.
وهنا ينبغي التمييز بين التحذير من الحرب وبين الاستعداد لخوضها. فالدول التي تحثّ طهران على ضبط خطواتها قد تكون حريصة على منع انهيارها، ولكنّها قد تكون أيضًا حريصة على منعها من جرّ المنطقة إلى مواجهة تُهدّد مصالحها هي نفسها.
إنّ استحضار تجربة العراق مجدّدًا لا يعني الجزم بأنّ إيران ستواجه المصير نفسه، بل التحذير من الاعتقاد بأنّ أيّ دولة تستطيع أن تفرض على حلفائها كلفة الحرب التي تختارها. فحين تتعارض المصالح، لا تكفي بيانات التضامن لتشكّل ضمانة استراتيجية، ولا تكفي الشراكات السياسية لمنع التفاهمات الكبرى من تجاوز مصالح الأطراف الأصغر.
وهذا ما يؤكّد أنّ فرضيّة حتميّة إسقاط نظام الملالي باتت مؤكّدة اليوم. والعمل الجاري لكيفية احتواء ردّ الفعل الإيراني على حلفاء أميركا في الخليج تحديدًا. فهل حمل الباكستاني تحذيرًا الى طهران عن إمكانية تفعيل اتّفاقية الدفاع المشترك تحت الضغط الأميركي في حال تعرّض مصالح أميركا في الخليج للاعتداءات؟
إذا كانت طهران تواجه اختبارًا لمتانة علاقاتها الخارجية، فإنّ لبنان يواجه اختبارًا أكثر خطورة: هل تستطيع الدولة أن تتحوّل من طرف يتلقّى نتائج الصراع إلى مرجعية تحتكر القرار الأمني والعسكري؟
في الأيام الأخيرة، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف تهديداته، محذّرًا من أنّ انخراط حزب الله في أيّ مواجهة جديدة مرتبطة بإيران قد يقود إلى توسيع العمليات الإسرائيلية واحتلال مناطق إضافية في الجنوب، وصولًا إلى مناطق في محيط النبطية والليطاني بحسب ما أوردته جيروزاليم بوست، 14 تشرين الأول 2026.
هذه التهديدات ليست معزولة عن المشهد اللبناني الداخلي، حيث تتصاعد المواجهة السياسية والأمنية، وحتى العسكرية الموتوسيكلاتية حول دور حزب الله وسلاحه وحدود سلطة الدولة.
وقد أعادت قضية شاحنة ضهر البيدر، التي ضُبطت محمّلة بمتفجّرات، طرح سؤال بالغ الخطورة: هل يمكن للدولة أن تفرض القانون على الجميع، أم أنّها ستتراجع عندما تصل التحقيقات إلى جهة مسلّحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا؟
إنّ القضية لا تتعلّق فقط بهوية أصحاب الشحنة أو بالوجهة التي كانت متّجهة إليها، بل بمدى قدرة القضاء والأجهزة الأمنية على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات من دون استثناءات. وقد أُدرج طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي على جدول أعمال مجلس الوزراء، فيما أمر القضاء باستدعاء مسؤولين في حزب الله للتحقيق في القضية.
وتزداد المسألة حساسية في ظلّ ما أُثير عن ضغوط أميركية لمنع تسليم الشحنة إلى الحزب؛ غير أنّ أصل المعضلة لا يتوقّف على إثبات هذا التفصيل أو نفيه؛ فالدولة التي تحتاج إلى ضغوط خارجية كي تتمكّن من ضبط ملف أمني داخلي تكون أمام خلل سيادي يستوجب المعالجة.
أما التلويح بالتصعيد في وجه الدولة على خلفية هذه القضية، إن ثبت، فيعني أنّ المواجهة لم تعد محصورة في السلاح خارج المؤسسات، بل امتدّت إلى قدرة المؤسسات نفسها على تطبيق القانون.
وهنا يصبح السؤال: هل سيُحال الملف إلى المجلس العدلي بوصفه قضية أمن دولة تستوجب أعلى درجات المحاسبة، أم ستتقدّم التسويات السياسية على مقتضيات العدالة؟
إنّ إحالة القضية إلى المجلس العدلي، إن حصلت، ليست إدانة مسبقة لأيّ طرف، بل مسار قضائي ينبغي أن يستند إلى الأدلة. لكنّ التراجع عن تطبيق القانون تحت الضغط، أيًّا كان مصدره، سيكرّس سابقة خطيرة مفادها أنّ سلطة الدولة تتوقّف عند حدود النفوذ المسلّح. وهذا ما سيطلق حكم رسوب الدولة اللبنانية في اختبار السيادة. وبالتالي يصبح الانهيار حتميًّا.
في موازاة ذلك، تكتسب اجتماعات تامبا الأميركية، التي استمرّت في 21 تشرين الأول بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، أهمية تتجاوز عنوانها التقني. فالنقاش يدور حول آليات تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب، والجهة التي ستتحقّق من الالتزامات، والسلطة التي ستشرف على تطبيقها.
هذه التفاصيل ليست إجرائية فحسب؛ فهي تمسّ جوهر الصراع على السيادة. فمن يراقب؟ ومن يتحقّق؟ ومن يقرّر أنّ الالتزامات نُفّذت أو خُرقت؟ وهل ستكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار في إدارة أمن أراضيها، أم ستبقى الترتيبات عرضة لتهديدات إسرائيلية متكرّرة بالتدخّل المباشر؟
إنّ المفاوضات، في أصلها، تتيح فرصة لتجنّب الحرب وتثبيت الوقائع ضمن إطار سياسي. لكنّها قد تتحوّل أيضًا إلى وسيلة لقياس الوقت المتاح أمام الأطراف، واختبار استعدادها لتقديم تنازلات قبل الانتقال إلى خيارات أكثر قسوة.
ولا يمكن الجزم بأنّ اجتماعات تامبا تمهّد حتمًا لعمل عسكري، كما لا يمكن اعتبار استمرارها دليلًا كافيًا على قرب التسوية. غير أنّ اتّساع الفجوة بين المطالب والضمانات، واستمرار التهديدات الميدانية، قد يدفعان الطرفين إلى مرحلة يصبح فيها التفاوض أقلّ ارتباطًا بصناعة الحلول وأكثر ارتباطًا بتحديد مسؤولية فشلها.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصل الدبلوماسية إلى طريق مسدود من دون إعلان ذلك صراحة، فتُستكمل الاجتماعات بينما تكون القرارات العسكرية قد بدأت تتبلور في مكان آخر. عندها، لا تعود الطاولة مساحة لتجنّب المواجهة، بل تصبح المحطة الأخيرة قبل الانتقال إلى فرض الوقائع بالقوة.
إنّ الحرب المقبلة، إذا اندلعت، لن تكون بالضرورة نسخة عن حرب تموز 2006، ولا عن المواجهات التي شهدها لبنان منذ تشرين الأول 2023. فالظروف الإقليمية تغيّرت، وموازين القوى تبدّلت، والدور الذي يمكن أن تؤدّيه الدولة اللبنانية بات مرتبطًا بقدرتها على إثبات سيادتها عمليًا، لا بالاكتفاء بإعلانها سياسيًا، وهذا ما يبدو حتى الساعة غير مطمئن.
لذلك، فإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اتّساع رقعة الدمار أو في احتمال اجتياح مناطق جديدة، بل في أن تنتهي المواجهة إلى لبنان مختلف في جغرافيته الأمنية، وفي نظامه السياسي، وفي صيغة التوازنات التي قام عليها منذ قيامه. وقد تفرض الوقائع العسكرية ترتيبات جديدة على الأرض، فيما تفرض الضغوط الدولية إعادة النظر في قواعد السلطة والسلاح والعلاقة بين الدولة ومكوّناتها.
والأخطر من ذلك كلّه أن يستمرّ ربط مصير الشيعة في لبنان بمصير حزب الله، وكأنّ وجود طائفة بأكملها لا يمكن أن يُصان إلا من خلال بقاء تنظيم مسلّح واحتفاظه بقراره المستقل عن الدولة. فهذا الربط لا يحمي الشيعة، بل يضعهم أمام مخاطر وجودية وسياسية لا ضرورة لها، ويحوّل مستقبلهم إلى رهينة لمسار إقليمي لا يملكون وحدهم تقرير نهايته.
إنّ الشيعة اللبنانيين مكوّن أصيل من مكوّنات الوطن، وحقوقهم ومشاركتهم في الدولة ليستا موضع تفاوض أو مساومة. لكنّ حماية هذه الحقوق تقتضي الفصل بين الطائفة والحزب، وبين المجتمع والسلاح، وبين الانتماء الوطني والارتباط بمحور إقليمي. فمستقبل أيّ مكوّن لبناني لا يجوز أن يُختزل بمصير قيادته السياسية أو العسكرية، مهما بلغ نفوذها.
وإذا كانت المنطقة تستعدّ لإعادة رسم خرائط النفوذ، فإنّ السؤال التالي لن يكون محصورًا بمصير إيران أو لبنان. فقد تنتقل المنافسة الكبرى إلى تركيا، أو إلى غرب آسيا ووسطها، حيث تتقاطع المصالح الروسية والصينية والأميركية والإقليمية على خطوط الطاقة والممرّات الاستراتيجية والنفوذ العسكري. لكنّ هذه تبقى احتمالات مفتوحة، لا نتائج محسومة سلفًا.
أمام هذه الوقائع، لا يعود مقبولًا أن يتعامل اللبنانيون مع الحرب المقبلة كأنّها مجرّد جولة إضافية تنتهي بوقف لإطلاق النار ثم عودة إلى ما كان قائمًا. فالساعة الرملية لا تقيس الوقت وحده، بل تقيس أيضًا مقدار ما تبقّى من فرص لتصحيح المسار.
وإذا كانت الدولة تريد إنقاذ لبنان، فعليها أن تحسم قبل فوات الأوان سؤال السيادة والقرار والسلاح، وأن تمنع تحويل أيّ مكوّن من مكوّنات المجتمع إلى درع بشري لمشروع إقليمي. أمّا إذا استمرّ الرهان على أنّ الخارج سيحمي الجميع، وأنّ التهديدات ستبقى مجرّد رسائل، وأنّ التسويات ستأتي دائمًا في اللحظة الأخيرة، فقد يستيقظ اللبنانيون على واقع لا يشبه بلدهم الذي عرفوه.
فالتحذير الأخير واضح: عندما تنفد رمال الساعة، لن يكون السؤال مَن ربح الجولة، بل أيّ لبنان سيبقى بعدها، ومَن سيملك حقّ تقرير مصيره؟ وهل سيكون حقّ الوجود بذاته لذاته؟ أم سيصبح لغيره؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير