أيّ استراتيجيّة تحكم لبنان ؟

في كلام صحفي نسب إلى الرّئيس نبيه بري بأنّه نصح رئيس الحكومة نواف سلام بعدم إحالة قضية المتفجرات المصادرة إلى المجلس العدلي، وعن التشديد على ضرورة عدم إثارة الملفات الحساسة. ومن جهة ثانية يصرّح بأنّ الجيش اللبناني خطّ أحمر ويجب أن ينتشر في الجنوب. فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا ينبغي تجنّب التوتر، بل: أيّ توتر يُراد تجنّبه، وعلى حساب مَن؟ وهل خرج الرئيس برّي من الثنائيّة الفولاذيّة التي لطالما حكمت خلال هذه الأربعين سنة؟

خاص بوابة بيروت

ليست المسألة مجرّد خلاف على إحالة ملف المتفجرات المصادرة إلى المجلس العدلي، ولا هي تفصيل إجرائي يمكن احتواؤه بعبارة «عدم إثارة المواضيع الحساسة». المسألة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا عن طبيعة الحكم في لبنان: هل تُدار الدولة وفقًا لمقتضيات القانون ومصالحها الوطنية، أم وفقًا لحسابات سياسية تتقدّم فيها التسويات على حساب كشف الحقيقة؟ وهل تُستبدل المواجهة مع مكامن الخطر الحقيقي بافتعال الأزمات مع الحلفاء والجهات القادرة على مساعدة لبنان؟

في كلام صحفي نسب إلى الرّئيس نبيه بري بأنّه نصح رئيس الحكومة نواف سلام بعدم إحالة قضية المتفجرات المصادرة إلى المجلس العدلي، وعن التشديد على ضرورة عدم إثارة الملفات الحساسة. ومن جهة ثانية يصرّح بأنّ الجيش اللبناني خطّ أحمر ويجب أن ينتشر في الجنوب. فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا ينبغي تجنّب التوتر، بل: أيّ توتر يُراد تجنّبه، وعلى حساب مَن؟ وهل خرج الرئيس برّي من الثنائيّة الفولاذيّة التي لطالما حكمت خلال هذه الأربعين سنة؟

هنا تحديدًا تبرز المفارقة بين منطق الدولة الذي يقتضي كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين، ومنطق الاحتواء السياسي الذي قد يحوّل الملفات الأمنية إلى ألغام ممنوع الاقتراب منها. فالمجلس العدلي ليس أداة لتصفية الحسابات، كما أن الإحالة إليه ليست حكمًا مسبقًا على أحد؛ إنما تبقى الأولوية لتطبيق القانون، وتحديد الجهة القضائية المختصة وفق طبيعة الوقائع والأدلة. أما منع إثارة ملف لأن أطرافه حساسة سياسيًا، إن ثبت وجود مثل هذا المنحى، فيطرح إشكالية خطيرة تتصل بمبدأ المساواة أمام القانون وبحق اللبنانيين في معرفة ما يهدّد أمنهم.

لا يجوز تحويل الاتهام إلى حقيقة قبل إثباته، كما لا يجوز استخدام غياب الإثبات النهائي ذريعة لإغلاق باب التحقيق. وبين الأمرين تقع مسؤولية الدولة، التي يفترض أن تكون صاحبة القرار في الأمن والقضاء والتفاوض، لا مجرّد طرف يحاول إرضاء القوى المتعارضة على حساب سيادته. لذلك، على هذه الدّولة ألّا تقحم نفسها في نفق الانتحار الجماعي، لأنّ عدم اتّخاذ هذا القرار بمواجهة المنظّمة غير الشرعيّة يعني عمليًّا مواجهة الأميركي ومعه المشروع الجديد. في وقت يحتاج فيه لبنان إلى دعم دولي يعزّز مؤسساته وقدرته على استعادة قراره السيادي.

والأمر نفسه ينطبق على المفاوضات الثنائية مع إسرائيل في تامبا. فإذا كان الهدف منها حماية لبنان، ووقف الاعتداءات، وتثبيت الحدود، واستعادة سلطة الدولة، فإنّ معيار الحكم عليها يجب أن يكون نتائجها الفعلية ومدى خدمتها للمصلحة الوطنية. أمّا إذا تحوّلت المفاوضات إلى مادة للمزايدة الداخلية، أو استُخدمت العلاقة مع واشنطن لتسجيل نقاط سياسية، فإنّ لبنان يكون قد استبدل فرصة معالجة أزماته بمغامرة إضافية لا يملك ترف تحمّل نتائجها.

هل أضحت استراتيجية الدولة اليوم تكمن بين أمرين : مواجهة مع الولايات المتحدة وعدم التسليم بكل ما تطلبه، أم دولة تحقّق في الملفات الأمنية بلا محظورات سياسية، وقضاء مستقل لا يخضع للضغوط، ومفاوضات تُدار بشفافية ومسؤولية، وعلاقات خارجية لا تُستخدم لتغطية خيارات قوى الأمر الواقع؟

وفي المحصلة، لا يكفي أن يرفع الحكم شعار الحكمة لتكون قراراته حكيمة، ولا أن يقدّم التراجع بوصفه احتواءً للتصعيد كي يصبح سياسة رشيدة. الحكمة تُقاس بالنتائج، والاستراتيجية تُختبر بقدرتها على حماية السيادة، لا بقدرتها على تجنّب إغضاب أصحاب النفوذ. هذه ليست استراتيجية رشيدة لتدار بواسطتها البلاد. إنّما بكل براغماتية هذه ممارسة واضحة لانتحار وطني إن استمرّت هذه السلطة بعجزها ورفضها بتفكيك بنية المنظّمة الإرهابيّة.

وظيفة الحكم حماية الدولة، وصون كرامة مواطنيها، واستعادة قرارها الحر، فكيف يمكن تبرير سياسة تُضعف مؤسساتها وتُبقيها تحت رحمة المنظّمة ومحورها؟ والخطورة الكبرى تكمن أيضًا في التنازل عن المواجهة الحقيقية لقاء افتعال أزمات دونكيشوتيّة لن تؤتي بأيّ نتيجة. فإضاعة هذه الفرصة التي تعتبر الأخيرة، هذا يعني عمليًّا أنّ عدم الجرأة في مبادرة المواجهة الوطنيّة سيؤدّي حتمًا إلى انهيار هذا الوطن ! ما يطرح إشكاليّة جديدة: أيّ وطن قد يولد بعده؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك