في ذكرى الجمهورية التركية الثالثة بعد المئة…
من منطق المحاور إلى منطق الاتفاقيات المصلحية، ومن منطق الدويلات إلى منطق الدولة، هل تتحول العلاقة بين بيروت وأنقرة إلى علاقة استراتيجية؟
خاص بوابة بيروت
في التاسع والعشرين من تشرين الأول تحتفل تركيا بالذكرى الثالثة بعد المئة لإعلان جمهوريتها عام 1923، وتستحضر أنقرة في هذه المناسبة سردية الدولة التي انتقلت من إرث الإمبراطورية إلى منطق المؤسسات والسيادة. وهي مناسبة تصلح مدخلاً لسؤال يخص لبنان بقدر ما يخص تركيا: هل ما زال الجوار الإقليمي يُدار بعقلية المحاور، أم دخلت المنطقة مرحلة تُقاس فيها العلاقات بمنطق الدولة والاتفاقيات والمصالح المتبادلة؟ والمشهد الراهن يرجّح الخيار الثاني.
لم تكن العلاقات اللبنانية التركية بمنأى عن تحولات الشرق الأوسط، فقد شهدت انفتاحاً في مطلع الألفية حدّت منه الانتفاضات العربية والحرب السورية، وظل مسارها مرتبطاً بالعلاقات التركية السورية. ثم جاء سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 ليعيد رسم البيئة المحيطة بالبلدين، وظهرت في بيروت رغبة رسمية في إعادة بناء العلاقة الاقتصادية مع سوريا، وتناولت الاتصالات اللبنانية التركية عام 2026 التجارة والاستثمار والبنية التحتية. غير أن التقارب الظرفي يقوم على توافق مصالح في لحظة معينة، أما الشراكة الاستراتيجية المستدامة فتقوم على مؤسسات تضمن استمرار التعاون مهما تبدلت الحكومات.
وتقدم الأرقام أساساً ملموساً، فقد بلغت الصادرات التركية إلى لبنان نحو 1.17 مليار دولار عام 2025، مقابل واردات من لبنان بنحو 132 مليون دولار. ونجاح العلاقة لا يُقاس بالصادرات التركية وحدها، بل بقدرتها على فتح الأسواق أمام المنتج اللبناني وتشجيع الاستثمارات المشتركة. وقد وُقّع اتفاق التجارة الحرة بين البلدين في 24 تشرين الثاني 2010 وأكملت تركيا تصديقه عام 2013، بينما يتوقف نفاذه على التصديق اللبناني.
وهنا تتضح مصلحة لبنان، فهو بموقعه وخبرة قطاعه الخاص ومصارفه وجاليته يستطيع أن يكون بوابة لتركيا نحو الأسواق العربية وللاستثمارات العربية نحو تركيا وأوروبا، في الصناعات الغذائية والدواء والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. لكن عليه أن يكون شريكاً في صياغة الاتفاقيات والممرات وخطوط الطاقة لا متلقياً لها، فالدولة التي لا تحدد مصلحتها بنفسها تُحدَّد لها مصالحها من الخارج.
ويفرض ذلك الانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة. فقد استُنزف لبنان طويلاً في استقطابات جعلت قراره الخارجي ساحة لتنافس الآخرين، والخيار الأسلم اليوم هو الانفتاح الإيجابي على المحيط العربي وعلى الدول الفاعلة، ومنها تركيا، على أساس السيادة والتوازن واحترام المؤسسات الدستورية. وليس في ذلك انحياز ضد أحد، بل تنويع للشراكات يحمي القرار اللبناني من الارتهان لطرف واحد.
ويمكن للبنان أن يستفيد من التجربة النهضوية التركية، لا بنسخها بل بقراءة دروسها. فبعد أزمة 2001 المالية أعادت تركيا هيكلة مصارفها وفرضت انضباطاً مالياً وأطلقت إصلاحات مؤسسية، فتضاعف دخل الفرد في العقدين التاليين، وتوسعت المطارات والموانئ والسكك الحديدية، ونشأت صناعات محلية في الدفاع والسيارات جعلت الصادرات رافعة للنمو، وتحولت إسطنبول إلى مركز عالمي للطيران. ولم تخلُ التجربة من تحديات كالتضخم وتقلب العملة. وفي ملفات كهيكلة المصارف وإصلاح الكهرباء والشراكة بين القطاعين العام والخاص وتطوير المرافئ، يجد لبنان فيها مرجعاً عملياً.
ولا بد هنا من دعوة صريحة وموضوعية إلى بعض القوى اللبنانية لقراءة الحقبة العثمانية بعين شاملة، بدلاً من اختزال تلك الفترة الطويلة في محطة جمال باشا وما رافقها من مآسي سفر برلك والمجاعة. فمع كامل الاحترام لذكرى الشهداء، إلا أن الإرث العثماني يزخر بصفحات تركت أثرها العميق في ثقافة البلاد وعمارتها وتنظيمها المؤسسي. ومن أبرز شواهد ذلك، المدارس الرسمية والأنظمة البلدية والسرايا الحكومية، وعلى رأسها السراي الكبير الذي يمثل اليوم المقر الرئيسي لرئاسة مجلس الوزراء. كما لا يمكن غض الطرف عن التشريعات الأساسية التي بُنيت عليها الدولة، وفي مقدمتها قانون الجمعيات الصادر عام 1909، والذي لا يزال حتى اليوم يُعد من أهم وأرقى القوانين المنظمة للعمل الأهلي والمجتمع المدني في لبنان.
وفي المقابل، فإن التعامل مع تركيا اليوم ينطلق من واقعها كجمهورية مدنية حديثة نشأت عام 1923 بمؤسسات وتجربة مغايرة. وتتجلى المصلحة اللبنانية في الاستفادة من هذه التجربة، وتحديداً في مجال الدولة المدنية وإرساء قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، كمدخل عملي يراعي التعددية الطائفية ويحافظ على التماسك الوطني. إن المطلوب اليوم هو التطلع نحو المستقبل وبناء علاقة قائمة على الشراكة والتعاون المتبادل والمصلحة المشتركة، بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية، وبما يخدم استقرار البلدين وتطورهما.
أما سوريا الجديدة فهي الحلقة الأبرز، فلبنان وتركيا لا يتشاركان حدوداً برية، لكن سوريا تفصل بينهما وتربطهما بمصالح تجارية. وإذا نجحت دمشق في ضبط المعابر ووضع قواعد واضحة للاستثمار، أمكن أن تصبح حلقة وصل بين الموانئ اللبنانية والمراكز الصناعية التركية والأسواق العربية. غير أن هذا ليس مضموناً، فإعادة بناء سوريا تواجه تحديات كبيرة، ولذلك ينبغي أن يقوم التعاون على التدرج والاتفاقات الواضحة، لا على افتراض أن الاستقرار قد تحقق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الاتفاقية الرباعية. ففي حزيران 2010 أعلنت تركيا ولبنان وسوريا والأردن في إسطنبول إقامة منطقة تجارة حرة يرافقها إعفاء من التأشيرات، لكن المسار تعطل مع الأزمة السورية. وقد تغيّرت المعطيات، فلا ينبغي أن يبقى هذا الإطار ذكرى في الأرشيف، بل يستحق مراجعة جماعية بين بيروت وعمّان ودمشق وأنقرة تحدد ما بقي صالحاً منه، في شكل مجلس أعلى مشترك بأمانة دائمة وجدول أعمال سنوي، ويُفتح باب الانضمام إليه أمام دول أخرى كالعراق وفق معايير واضحة. وفيه يحصل لبنان على موقع تفاوضي أقوى لا تتيحه الاتفاقات الثنائية.
ويستطيع لبنان أن يفيد من دور أنقرة في أبعد من الاقتصاد، فهي تحتفظ بخطوط اتصال مع واشنطن يمكن أن تفيد في الدفع نحو انسحاب إسرائيل من الجنوب، وبقنوات مع طهران يمكن توظيفها في مقاربة ملف سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة. ولا يعني ذلك أن أنقرة قادرة على فرض نتائج، بل إنها تملك أدوات وساطة على لبنان أن يوظفها بقرار سيادي وفق مصلحته.
وتحتاج الشراكة إلى بنية مؤسسية تحميها من تقلبات السياسة، كمجلس تعاون لبناني تركي رفيع المستوى يجمع الخارجية والاقتصاد والطاقة والنقل مع القطاع الخاص ويحدد أولويات سنوية قابلة للقياس. وقد بحث لقاء رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس رجب طيب أردوغان في أيلول 2026 مشاريع الربط الكهربائي والسككي عبر سوريا، لكن الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ يتطلب دراسات جدوى مستقلة وتمويلاً واضحاً وشفافية في العقود. أما أمنياً فيقتصر التعاون على تبادل المعلومات ضمن الأطر القانونية وإدارة الحدود، مع احترام السيادة اللبنانية.
في المحصلة، تتيح اللحظة الإقليمية فرصة لإعادة تعريف العلاقات اللبنانية التركية، لكنها لا تجعل التحول الاستراتيجي نتيجة تلقائية، فهو يتطلب إرادة سياسية في العاصمتين وإطاراً مؤسسياً يتجاوز المبادرات المؤقتة. وفي ذكرى الجمهورية التركية الثالثة بعد المئة يبقى السؤال: هل تكتفي بيروت وأنقرة بإدارة ملفات متفرقة، أم تبنيان مصالح مشتركة قابلة للاستمرار تجعل من شرق المتوسط فضاءً للاستقرار والتكامل؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير