من مسيحيِّي الشرق الى العالم : خطر وجودي يتصاعد

ما يحصل في أوروبا خطير جدًا، ولكن السؤال الأساسي: هل ستسمح أوروبا لمن جاء إلى أراضيها بحثًا عن حياة أفضل، بأن يقمع أصحاب الأرض؟ وما هي القطرة الأخيرة التي ستؤدي، بنهاية المطاف، إلى حرب أهلية؟

خاص بوابة بيروت

يشهد العالم عامةً، والشرق خاصةً، هجومًا واسعًا على الديانة المسيحية. تأتي هذه الهجمات بأشكال عديدة، كلٌّ منها أخطر من سابقه. هجمات عنصرية، جسدية، نفسية، قمعية ووجودية.

فبحسب الأرقام، وحسب تقرير الأبواب المفتوحة لعام ٢٠٢٦، ٣٨٨ مليون مسيحي يواجهون مستويات مرتفعة من الاضطهاد بسبب إيمانهم، ٤٨٤٩ مسيحيًا قُتلوا بسبب إيمانهم، ٤٧١٢ مسيحيًا اعتُقلوا، أكثر من ٢٠٠ ألف مسيحي أُجبروا على النزوح، الاختباء أو مغادرة بلدانهم، وأكثر من ٣٥٠٠ كنيسة تعرضت للهجوم.

اعتدنا على هذه الاضطهادات في الشرق، ففي ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦، أطلق مسلحون النار خلال مراسم جنازة في كنيسة في الكرك، ما أسفر عن سقوط قتلى وشهداء. وفي العام الماضي، فجّر انتحاري نفسه داخل كنيسة مار إلياس في دمشق، وقُتل بهذا الهجوم ما لا يقل عن ٢٢ شخصًا وأصيب ٦٣ آخرون. كما يشهد مسيحيو الشرق هجمات متعددة تصل إلى حرق المنازل والكنائس وتهديدات متعددة تصيبهم كل يوم، لا سيما في سوريا، اليمن، العراق ومصر.

ولكن الذي لم نعتدِ أن نراه، هو أن هذه الاضطهادات والهجمات تنتقل إلى الغرب، ولا سيما في أوروبا وأمريكا. والأكثر غرابة أن هذا الخطر على المسيحيين موجود في أكثر البلاد التي كانت تاريخيًا معقلًا أساسيًا وآمنًا ومحافظًا للديانة المسيحية. فبحسب تقرير مرصد التعصب والتمييز ضد المسيحيين في أوروبا لعام ٢٠٢٥، شهدت فرنسا، التي كانت تُعرف بالابنة البكر للكنيسة، ٧٧٠ حادثة، شملت حوادث حرق للكنائس، وتدنيس الأماكن المقدسة، والاعتداءات على المسيحيين. تليها المملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا والعديد من الدول الأوروبية “المسيحية”

ولكن هذا التغيير ليس صدفة، بل قد يكون مرتبطًا بتصاعد التطرّف الإسلامي في بعض الأوساط الاجتماعية والسياسية في أوروبا.

هذه الظاهرة تستدعي البحث في أسبابها: يهاجر بعض الأشخاص إلى أوروبا بحثًا عن العيش بكرامة، هربًا من أنظمة الحكم الفاسدة والقمعية في بلدانهم. لكن، بعد الاستقرار في الدول التي لجؤوا إليها، يسعى بعض الأفراد الذين يتبنّون أفكارًا متطرفة إلى فرض معتقداتهم وتصوراتهم على المجتمعات المضيفة، بدلًا من احترام قيمها وقوانينها وعاداتها، في مفارقة تطرح تساؤلًا جوهريًا:

كيف يمكن للمرء أن يهرب من منظومة يراها سببًا في معاناته، ثم يسعى إلى إعادة إنتاج بعض مظاهرها في البلد الذي استقبله؟

فالمشكلة تكمن في كيفية التعامل مع الأفراد الذين يتبنّون أفكارًا متطرفة، والمشكلة الأساسية والأكبر هي أن هناك أحزابًا وتيارات سياسية أوروبية تتبنى أفكار هؤلاء الأشخاص: هذا ما يفعله اليسار الغوغائي. وقد رأينا أن أحزابًا من اليسار الغوغائي كانت داعمة للشغب الذي حصل في فرنسا خلال المظاهرات.

للمقارنة، شهدت فرنسا، التي تسمح بالهجرة الكثيفة، أكثر من ٧٧٠ حالة اضطهاد ضد المسيحيين في عام ٢٠٢٤، وبولندا، التي لديها سياسة هجرة صفر، شهدت ١٠ حالات فقط. وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول العوامل التي قد تؤثر في مستوى الاعتداءات على المسيحيين، بما فيها سياسات الهجرة والتطرّف الديني وفعالية الإجراءات الأمنية والقضائية.

ما يحصل في أوروبا خطير جدًا، ولكن السؤال الأساسي: هل ستسمح أوروبا لمن جاء إلى أراضيها بحثًا عن حياة أفضل، بأن يقمع أصحاب الأرض؟ وما هي القطرة الأخيرة التي ستؤدي، بنهاية المطاف، إلى حرب أهلية؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك