استقيلوا ودعونا نقود
بعد أربعين عاماً من التجارب السياسية نفسها، يحق للبنانيين أن يسألوا سؤالاً بسيطاً : ماذا حققتم...
خاص بوابة بيروت
على مدى أكثر من أربعة عقود، تعاقبت على لبنان حكومات ووزراء ورؤساء وكتل سياسية رفعت شعارات الإصلاح والإنقاذ والتغيير. تغيّرت التحالفات، وتبدلت الأسماء، وأُعيد توزيع الحصص السياسية مرات لا تُحصى، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً لم يتغير: العقلية التي تُدار بها الدولة. فعلى الرغم من كل الأزمات والانهيارات والكوارث التي مر بها لبنان، استمرت الطبقة السياسية نفسها في اعتماد النهج ذاته، والأدوات نفسها، والأساليب نفسها، وكأن الفشل المتكرر لم يكن كافياً لإقناعها بأن المشكلة تكمن في طريقة التفكير قبل أي شيء آخر.
المفارقة الكبرى أن الدول التي تحترم نفسها تتعلم من أخطائها. فعندما تفشل السياسات، يتم تعديلها. وعندما تعجز القيادات عن تحقيق النتائج، يتم استبدالها. وعندما تتكرر الأزمات، يتم البحث عن أفكار جديدة وعقول جديدة قادرة على التعامل مع التحديات بطرق مختلفة. أما في لبنان، فقد تحولت المناصب العامة إلى مواقع دائمة تقريباً، وأصبح الفشل مجرد تفصيل يمكن تجاهله، فيما يُطلب من المواطنين دفع ثمن الأخطاء جيلاً بعد جيل.
بعد أربعين عاماً من التجارب السياسية نفسها، يحق للبنانيين أن يسألوا سؤالاً بسيطاً ولكنه بالغ الأهمية: ماذا حققتم؟ إذا كان معيار الحكم هو النتائج، فإن النتائج واضحة أمام الجميع. دولة مفلسة، ومؤسسات منهارة، واقتصاد مدمر، وعملة فقدت معظم قيمتها، وخدمات عامة عاجزة عن تأمين أبسط حقوق المواطنين. آلاف الكفاءات غادرت البلاد، ومئات الآلاف من الشباب فقدوا ثقتهم بمستقبل وطنهم، فيما لا يزال بعض السياسيين يتصرفون وكأنهم يحملون مفاتيح الحلول التي عجزوا عن تقديمها طوال عقود.
المشكلة لم تعد في نقص الدراسات أو الخطط أو الإمكانات. لبنان لا يعاني من فقر في العقول، بل من غياب الإرادة السياسية للاستفادة منها. فهناك في الداخل والخارج آلاف اللبنانيين الذين يشغلون مواقع قيادية في الحكومات والمؤسسات الدولية والشركات العالمية والجامعات المرموقة. هناك خبراء في الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة والتكنولوجيا والتنمية والحوكمة. لكن هؤلاء نادراً ما يُستدعون للمشاركة في صناعة القرار، لأن المنظومة السياسية القائمة لا تبحث عن الكفاءة بقدر ما تبحث عن الولاء، ولا تبحث عن الإصلاح بقدر ما تبحث عن المحافظة على توازناتها ومصالحها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن معظم الطبقة السياسية التقليدية تتقن فن إدارة الأزمات التي ساهمت في خلقها، لكنها لم تثبت يوماً قدرتها على بناء دولة حديثة. فهي بارعة في الخطابات والشعارات والتسويات المرحلية، لكنها عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية طويلة الأمد. تتحدث عن الإصلاح من دون أن تطبقه، وتتحدث عن التنمية من دون أن تخطط لها، وتتحدث عن الدولة فيما تساهم يومياً في إضعاف مؤسساتها.
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد تغيير حكومة أو تبديل بعض الوزراء أو إعادة تدوير الشخصيات نفسها تحت عناوين جديدة. ما يحتاجه لبنان هو انتقال حقيقي نحو نموذج جديد في القيادة الوطنية. نموذج يقوم على المعرفة بدلاً من الشعبوية، وعلى الكفاءة بدلاً من المحاصصة، وعلى التخطيط الاستراتيجي بدلاً من إدارة الأزمات اليومية. فبناء الدول لا يتم بالارتجال، ولا بالشعارات، ولا بالخطابات الحماسية، بل بالسياسات المدروسة والمؤسسات الفاعلة والقيادات التي تمتلك رؤية واضحة للمستقبل.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم ليس اقتصادياً فقط، ولا مالياً فقط، ولا حتى سياسياً فقط. التحدي الحقيقي هو أزمة قيادة. أزمة ناتجة عن استمرار أشخاص وجماعات في إدارة الدولة بعقلية تنتمي إلى الماضي، فيما العالم من حولهم يتغير بسرعة غير مسبوقة. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة لم يعد، كيف نعطي هذه الطبقة السياسية فرصة جديدة؟ بل أصبح، لماذا ما زالت هذه الطبقة السياسية تعتقد أنها تستحق فرصة جديدة أصلاً؟
أربعون عاماً من التجارب تكفي للحكم على أي مشروع سياسي. وأربعون عاماً من النتائج السلبية تكفي لإثبات أن المشكلة ليست ظرفية أو مؤقتة، بل هي مشكلة بنيوية مرتبطة بطريقة التفكير والإدارة والقيادة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى التغيير لم تعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من الدولة.
لهذا السبب، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من شارك في إدارة هذا الفشل المتراكم هي رسالة واضحة ومباشرة: إذا كنتم قد جربتم كل شيء ولم تنجحوا، وإذا كنتم قد حكمتم لعقود ولم تحققوا ما وعدتم به، وإذا كانت البلاد قد وصلت في عهدكم إلى هذا المستوى من الانهيار، فامتلكوا شجاعة الاعتراف بالحقيقة. تنحوا جانباً، وافتحوا المجال أمام جيل جديد من المفكرين والخبراء والاستراتيجيين وأصحاب الكفاءات الوطنية.
فالأمم لا تنهض عندما يحتكر الفاشلون السلطة، بل عندما تفسح النخب التقليدية المجال أمام العقول القادرة على بناء المستقبل. ولبنان، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى هذه العقول.
لذلك نقولها اليوم بكل وضوح: استقيلوا ودعونا نقود.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير