بين الكرك ودرعا.. لمن البواكي؟!
أحسب اننا على مسار يحاكي تلاشي روابط الدم بحدود احترفنا تأكيدها و انهيار المواطنة بتلوين الحقائق و بالباسها أثواب لا تليق و لا تقترب من مرداتها الحقيقية...
خاص بوابة بيروت
اثناء دراستي في الأردن و تحديدا عام 2008 أذكر ان مساقات تعليمية اجبارية كانت تعطى للطلبة من الأردنيين و غير الأردنيين.. كان يميز هذه المواد او المساقات ان النجاح يقتصر على حضور المحاضرات لا الأداء السليم في الإمتحانات.. و كان من أشهر هذه المساقات العلوم العسكرية و التربية الوطنية..
في محاضرات العلوم العسكرية اذكر ان الضابط حينها ذكر الراحة التي بدؤوا يشعرون بها على الحدود مع سوريا بعد خروج جيش بشار من لبنان عام 2005 و ذلك عبر انخفاض كم المخدرات و تحديدا “حشيشة الكيف” التي كانت تغرق الأردن آتية من لبنان عبر سوريا..
الى محاضرة التربية الوطنية حيث اذكر تفاصيل قصة اوردها لنا المحاضر عن عجوز أردنية من “لواء الرمثا” كانت قد زوجت ابنتها لأحد أقاربها في درعا المدينة السورية المعروفة.. و كانت تعبر الحدود بحكم التجاور بين درعا و الرمثا لتزور ابنتها غير آبهة بقوانين الحدود و عليه تم القاء القبض عليها من الجانب السوري.. الحادثة أوجدت أزمة دبلوماسية غير معقدة بين البلدين و لكنها حاصلة بطبيعة الحال..
وزير الخارجية الأردني حينها كان ذكيا كفاية ليحتوي الموقف عبر اتصالٍ بنظيره السوري.. فاختصر الأمر بعد التحية بأن لنا عندكم عجوز أردنية لا تؤمن باتفاقية سايكس بيكو..
بعد أحداث درعا الأخيرة من قصف أردني على المدنيين متعذرين باستهداف تنظيم الدولة، استذكرت هذه المواقف خصوصا بعد مشاهد نفرة بعض أهل الرمثا الى الحدود مع سوريا و اطلاق صرخات و هتافات تؤيد موقف الأردن و تدعوا “الملك” الى ازالة اي تهديد من درعا..
أسئلة عديدة تبادرت الى ذهني منها ما ينكر ما حصل و منها ما يستغرب الحالة المجتمعية الغريبة على طباع المتجاورين…
فما الذي جرى حتى ينتفض بعض العشائر هنا على ذويهم هناك؟
و ماذا حصل حتى اضحى كلام الملك و تصرف الجيش و ادعاء التنسيق و تكذيبه من الجانب السوري مدار انتقام و احتراف لممارسة الكبر من ناشطين و اعلاميين أردنيين على أي ضيف سوري يسأل لماذا جرى هذا لنا في سوريا من أردن النشامى الشقيقة؟!
فجر اليوم الأول بعد الضربة..اتلقى اتصالا من صديقي الأردني.. استياء و حزن ظاهر بصوته.. “أحمد هل شاهدت منظر الأطفال و المدنيين؟” “ما الفرق بينها و بين ما فعله اليهود بغزة؟” “هل أعطى الإسرائيليين ما أرادوه جنوب سوريا؟!” “نفذ ما عجز عنه الهجري و جماعته؟!” “هل عجز عن اثبات انه حامي للأقليات بقتله ابرياء في دولة اخرى؟!” “ام ان هذه هي الطريقة الوحيدة للتعويض عن حالة استجداء العطف من ذوي ضحايا هجوم الكرك التي شهدها كل الأردن و كانت مدار نقاش و استياء غير معلن طبعاً خوفا من عدل “جلالته”؟! “لعله خشي من انقطاع المعونة الأمريكية هذه المرة؟!”
حاولت ان أكون مصدر للتنفيس عما اختلج في صدره.. و انهينا المكالمة… و ليت مدارات التفكير و الخواطر انتهت مع انتهاءها..
أصبحت افكر بمآلات الوضع بين الجيران.. لا يعنيني الشأن السياسي فهذا له مسارات تحلحله.. صور ذوي ضحايا درعا هل نراها تخالط مسؤولا اردنيا يعبر الحدود لتطبيب خاطرهم؟!.. و صور رومانسية ذهنية أخرى تحاكي سابقاتها في نفسي كأنه استشراف لأحدات فيلم يراد ان تثلج صدر المشاهد…
لا اريدها ان تظهر ببعد عقدي او طائفي- ولكن الصورة و الفارق بين ذوي ضحايا الكرك و مواساتهم بأكثر من طريقة و ما قابلها من فوقية الإعلام الاردني و بعض حسابات مواقع التواصل أورثت حنقًا و بغضًا في نفوسٍ تشعر بالخذلان الذي يتجدد منذ ان سقطت أولى القذائف على غزة بعد السابع من اكتوبر، نفوس لم يخالطها إلا شيء من فرح بعد سقوط نظام بشار و ما برحت النكسات تزاحم هذا الفرح، تارة باقتحامات الصهاينة و تارة بعمليات عصابة الهجري..
أحسب اننا على مسار يحاكي تلاشي روابط الدم بحدود احترفنا تأكيدها و انهيار المواطنة بتلوين الحقائق و بالباسها أثواب لا تليق و لا تقترب من مرداتها الحقيقية.. ولعله بداية هوان الأمر.. فأصوات العقلاء لا تسمع في زمن الفتنة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير