لبنان ليس فلسطين ولن نسمح بأن يصبح قضيةً منسيّة بعد أن دفع ثمن قضايا الآخرين

من حقّ لبنان أن يكون وطناً، لا ساحة. ومن حقّ اللبنانيين أن يعيشوا بسلام، لا أن يُطلب منهم دائماً الاستعداد لدفع الثمن...

خاص بوابة بيروت

أخشى أن يأتي يوم يصبح فيه لبنان عبئاً على المجتمع الدولي والعربي، وأن تتحوّل مأساته إلى ملفّ إضافي على طاولة المفاوضات، يُرحَّل من اجتماع إلى آخر، فيما يستمرّ اللبنانيون في دفع الثمن من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.

أخشى أن نصل إلى مرحلة يعتاد فيها العالم مشاهد الدمار والتهجير والانهيار في لبنان، فلا يعود التحرّك لإنقاذه أولوية، بل مجرّد محاولة لاحتواء أزمة جديدة كلّما خرجت عن السيطرة.

لكنّ السؤال الذي يجب أن نطرحه، قبل أن نلوم العالم على تخلّيه عنّا، هو: كيف وصلنا إلى هنا؟ ولماذا يُطلب من لبنان، مرة بعد مرة، أن يدفع أثمان صراعات أكبر منه، وأن يضحّي باستقراره ومستقبل شعبه تحت عناوين تتجاوز مصلحته الوطنية؟

منذ عقود، يُطلب من اللبنانيين أن يتفهّموا، وأن يصبروا، وأن يتحمّلوا، وأن يقبلوا بأنّ بلدهم لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية لأنّ المنطقة تعيش صراعاتها. وفي كلّ مرة، يُقدَّم لنا سبب جديد لتأجيل بناء الدولة، أو لتبرير وجود السلاح خارج سلطتها، أو لإقناعنا بأنّ سيادة لبنان يمكن أن تنتظر حتى تُحلّ قضايا الآخرين.

وإذا اعترضنا، يُقال لنا إنّنا لا نفهم طبيعة الصراع، أو إنّنا نتخلّى عن قضايا المنطقة، أو إنّ الأولوية ليست الآن لبناء الدولة، بل لمواجهة عدوّ أو تحقيق هدف يتجاوز الحدود اللبنانية.

لكن من أعطى أيّ جهة الحقّ في تقرير أنّ اللبنانيين يجب أن يعيشوا إلى الأبد في حالة حرب واستنفار؟ ومن قرّر أنّ اقتصادنا ومدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا وأحلام شبابنا يمكن أن تكون أثماناً مقبولة في معارك لا يملك الشعب اللبناني قرارها؟

من حقّ لبنان أن يكون وطناً، لا ساحة. ومن حقّ اللبنانيين أن يعيشوا بسلام، لا أن يُطلب منهم دائماً الاستعداد لدفع الثمن.

لقد آن الأوان لأن نكفّ عن التعامل مع لبنان وكأنّه تفصيل في صراعات المنطقة، أو ورقة يمكن استخدامها في المفاوضات، أو جبهة يمكن فتحها وإقفالها وفقاً لحسابات لا يشارك اللبنانيون في صنعها.

ما بسمى بالقضية الفلسطينية وان وجدت، فهي مثل غيرها من قضايا المنطقة، ليست تفويضاً مفتوحاً لأحد كي يقرّر مصير لبنان. ولا يجوز أن تتحوّل أي قضية، مهما كان حجمها أو أنصارها، إلى مبرّر لتعطيل الدولة اللبنانية أو مصادرة قرارها أو تعريض شعبها للخطر.

هذه ليست دعوة إلى العداء لأحد، بل إلى وضع حدّ واضح بين التضامن السياسي الذي تختاره الدولة وفق مصالحها، وبين تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة دائمة. فهناك فرق كبير بين أن يتخذ لبنان موقفاً من قضية إقليمية، وبين أن يصبح هو نفسه ضحية خيارات تُفرض عليه باسمها.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً هائلة من الحروب والانقسامات والهجرة والانهيار الاقتصادي. وها نحن نرى جيلاً جديداً يكبر وهو يسأل نفسه إن كان لهذا البلد مستقبل يستحقّ البقاء من أجله، أو أنّ الطريق الوحيد إلى حياة مستقرة يمرّ عبر المطار.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي قد لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان.

قد تبقى مساحة لبنان، البالغة 10,452 كيلومتراً مربعاً، كما هي على الخريطة، لكنّ الوطن لا يُقاس بالمساحة وحدها. ماذا تعني هذه المساحة إذا هاجر أبناؤها ولم يعودوا؟ ماذا تعني الحدود إذا لم تعد الدولة قادرة على بسط سلطتها عليها؟ وماذا تعني السيادة إذا كان قرار الحرب والسلم لا يخضع حصراً لمؤسسات الدولة؟

اللبناني الذي يهاجر اليوم قد يجد عملاً وحياة مستقرة في الخارج، وقد يؤسّس عائلة ويمنح أبناءه فرصاً لم يعد وطنه قادراً على توفيرها. ومع مرور السنوات، يصبح الارتباط بلبنان عاطفياً أكثر منه عملياً، وقد يكبر جيل كامل لا يعرف من وطن آبائه إلا الاسم والذكريات. عندها، لن نكون قد خسرنا مواطنين غادروا لفترة، بل سنكون قد خسرنا طاقاتنا البشرية، وقدرتنا على النهوض، والجزء الأهم من مستقبلنا.

والأرض التي يفرغها أبناؤها من دون أن تستعيد الدولة سيادتها الفعلية عليها، تصبح أكثر عرضة لتضارب المصالح والنفوذ، وقد تتحوّل إلى ساحة مفتوحة لكلّ من يريد أن يصفي حساباته على حساب اللبنانيين.

هل هذا هو لبنان الذي نريده؟ وهل هذه هي النتيجة التي يجب أن نقبل بها بعد كلّ ما مررنا به؟

لا يكفي أن نلوم المجتمع الدولي لأنّه لم ينقذنا، أو أن نطالب الدول العربية بمساعدتنا، فيما نحن عاجزون عن الاتفاق على أبسط قواعد الدولة. لا يمكن أن نطالب العالم باحترام سيادة لبنان إذا كانت القوى اللبنانية نفسها لا تضع هذه السيادة فوق مصالحها. ولا يمكن أن نطلب من الآخرين الاستثمار في استقرارنا فيما يبقى قرار بلدنا عرضة للتجاذبات والصراعات.

نعم، المجتمع الدولي والعربي مسؤولان عن مواقفهما وسياساتهما تجاه لبنان، لكنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق اللبنانيين، وعلى القوى التي حكمت البلد أو شاركت في تقرير مصيره، وعلى كلّ من ساهم في تكريس منطق الدولة الضعيفة والساحة المفتوحة.

المطلوب ليس بياناً جديداً، ولا وعداً إضافياً، ولا مبادرة تنتهي عند أول خلاف. المطلوب قرار لبناني واضح بأنّ زمن استخدام لبنان لخدمة مشاريع الآخرين يجب أن ينتهي، وأنّ حماية اللبنانيين وسيادة الدولة ومصلحة الشعب ليست مسائل قابلة للمساومة.

نحتاج إلى دولة تقرّر، ومؤسسات تحكم، وقانون يُطبَّق على الجميع، وقرار حرب وسلم يعود حصراً إلى المؤسسات الدستورية، وخطة جدية تعيد النازحين إلى مناطق آمنة وقابلة للحياة، وتطلق إعادة الإعمار، وتمنح اللبنانيين أسباباً حقيقية للبقاء في وطنهم.

أمّا المجتمع الدولي والعربي، فعليه ألّا ينتظر انهيار لبنان الكامل كي يتذكّر أنّ استقراره ليس شأناً لبنانياً فقط، بل مصلحة إقليمية ودولية أيضاً. إنّ ترك بلد صغير يواجه أزماته وحده، فيما تتنازع القوى المختلفة النفوذ على أرضه، لن يصنع استقراراً دائماً، بل سيترك الباب مفتوحاً أمام أزمات جديدة.

قد تكون أمامنا فرصة أخيرة لتغيير المسار، لا لأنّ الغد سيشهد بالضرورة نهاية لبنان، بل لأنّ كلّ يوم من التأجيل يضيف خسارة جديدة إلى رصيدنا. مواطن يهاجر، مؤسسة تنهار، عائلة تفقد الأمل، وشاب يقرّر أنّ مستقبله في أي مكان آخر غير وطنه.

لا نريد أن نخسر أرضنا، لكنّنا نرفض أيضاً أن نخسر شعبنا كي تبقى الأرض على الخريطة. ولا نريد أن يصبح لبنان قضيةً منسيّة، بعد أن دفع أبناؤه أثمان قضايا لم يكن من حقّ أحد أن يجعلها أهمّ من حقّهم في الحياة والأمان والسيادة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك