هل أخطأنا في تأسيس لبنان

المشكلة هي أننا تعاملنا مع إنشاء كيان كما لو أنه إنجازٌ يغنينا عن بناء الدولة...

خاص بوابة بيروت

مؤلمٌ أن يصل الإنسان إلى مساءلة ولادة وطنه. أن ينظر إلى بلاده، بعد أجيال من التضحيات، ويسأل: هل كان الخلل في البداية؟ هل جمعنا الأرض قبل أن نتفق على الدولة؟ وهل ورثنا حدوداً لم ننجح في تحويلها إلى عقدٍ عادل بين الناس؟

هذه أسئلة مشروعة. لا تصبح خيانة لأنّها تُوجع، ولا يجوز إسكاتها باستدعاء النشيد كلما عجزت السياسة عن تقديم جواب.

لكنّ الجواب يحتاج إلى شجاعة تتجاوز الغضب. شجاعة الاعتراف بعيوب التأسيس، وشجاعة رفض تحويل تلك العيوب إلى حكمٍ أبدي على شعب كامل بالعجز عن الحياة معاً.

أُعلن لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920 تحت السلطة الفرنسية. وتشكّلت حدوده من متصرفية جبل لبنان ومناطق ساحلية وداخلية، بينها الأقضية الأربعة: بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا، التي كانت مرتبطة إدارياً بولاية سورية العثمانية. ولذلك، فإن إعادة رسم الحدود غيّرت الإطار السياسي لمناطق كانت متصلة بمحيطها عبر علاقات اجتماعية واقتصادية أقدم من الدولة الجديدة.

غير أنّ وصف ما حدث بأنه سلخٌ عن دولة سورية قائمة بحدودها الحالية يحتاج إلى تدقيق؛ فالمنطقة كانت تخرج من السلطنة العثمانية، وكانت المشاريع الوطنية وحدود الكيانات الجديدة موضع تنازع. كانت بلاد الشام فضاءً تاريخياً واجتماعياً واسعاً، وكانت هويات الناس وتطلعاتهم أكثر تعقيداً من الخرائط التي استقرّت لاحقاً.

ولم تكن ولادة لبنان الكبير موضع إجماع. فالمطالبون بكيان لبناني مستقل واجهتهم اتجاهات تطالب بالوحدة السورية أو العربية. وتوثّق مراسلات لجنة كينغ–كراين عام 1919 مطالب قوية بالاستقلال والوحدة، فيما تكشف سجلاتها تعدّد الوفود والعرائض والمواقف. هذه الشواهد تثبت وجود خلاف حقيقي على المستقبل، لكنها لم تكن استفتاءً عاماً يختزل إرادة كل جماعة وكل منطقة.

وفي المقابل، لم يكن مشروع لبنان الكبير نزوة جغرافية خالية من الدوافع المحلية. فقد ارتبط، لدى مؤيديه، بمخاوف الحماية والاستقلال وبالحاجة إلى موارد زراعية ومرافئ وأسواق، بعدما كشفت مجاعة الحرب العالمية الأولى هشاشة جبل لبنان اقتصادياً. تداخلت هذه المطالب مع مصالح فرنسا ونفوذها، فكانت الولادة نتيجة تفاعل مشروع محلي مع قوة استعمارية، داخل بيئة من الاعتراضات والمشاريع المتنافسة.

يمكن، إذاً، نقد التأسيس بقسوة. يمكن القول إن سلطة أجنبية امتلكت دوراً حاسماً في رسم الإطار، وإن جمع المناطق لم يُلغِ اختلاف تصورات أهلها عن الهوية والانتماء والمستقبل. لكن الانتقال من هذه الوقائع إلى إعلان لبنان كياناً محكوماً بالموت هو استنتاج سياسي، وليس حقيقة يفرضها التاريخ.

المشكلة التي تستحق المحاكمة هي أننا تعاملنا مع إنشاء الكيان كما لو أنه إنجازٌ يغنينا عن بناء الدولة.

فالحدود تستطيع أن تجمع الناس تحت اسم واحد، لكنها لا تمنحهم تلقائياً شعوراً بالمساواة. والعلم يعلن وجود وطن، لكنه لا يضمن للمواطن حقاً، ولا يمنع زعيماً من الاستيلاء على مؤسساته.

كان المطلوب أن تتحوّل المناطق المختلفة إلى شراكة متكافئة؛ أن يشعر ابن البقاع بأن الدولة تصل إليه بالحقوق والفرص، وأن يجد ابن الشمال والجنوب والجبل وبيروت معياراً واحداً للعدالة. وكان المطلوب أن تتّسع الهوية الوطنية لذاكرات متعددة، من دون أن يُطلب من أي جماعة محو تاريخها كي تثبت ولاءها.

لكنّ قراءتي للمأساة اللبنانية هي أن التسويات بين الزعماء كثيراً ما حلّت محلّ هذا العمل التأسيسي الطويل. أصبح التوافق على توزيع السلطة بديلاً من الاتفاق على حدود استخدامها، وتحوّلت حماية الجماعات إلى ذريعة لحماية ممثليها من المحاسبة.

ولذلك، فإن السؤال عن الأقضية الأربعة يجب أن يتجاوز تبادل الاتهامات بشأن مَن ضمّ ومَن اعترض. السؤال المؤلم هو: ماذا فعلت الدولة لكي يشعر سكان هذه المناطق بأنهم شركاء كاملون؟ وكيف حوّلت تنوّع مواردها ومجتمعاتها إلى منفعة مشتركة؟ وأين المشروع الذي كان يفترض أن يصل الأرض الموحّدة بحياة موحّدة في الكرامة والحقوق؟

لا يجوز أن يبقى السكان، بعد أكثر من قرن، موضع نقاشٍ كأنهم قطعٌ على خريطة. لهم إرادة وحياة ومصالح وذاكرة. لا يملك مؤرخ أو سياسي أن يمحو انتماءهم الراهن بقرار مضاد لقرار قديم، مثلما لا يحق لأحد مطالبتهم بالصمت عن المظالم باسم قداسة التأسيس.

والأخطر في إعلان الوطن غير قابل للحياة أنه قد يمنح المسؤولين عن إفقاره حجة مريحة: إذا كان الفشل مكتوباً في الجغرافيا، فلماذا نحاسب من حكم؟ وإذا كانت الولادة وحدها تفسّر المصير، فأين مسؤولية السياسات والخيارات والتعطيل والفساد؟

بهذا المنطق، يصبح التاريخ محامياً عن السلطة.

أما القول إن لبنان «مولود مسخ»، فيصبّ الإهانة على الذين دفعوا ثمنه، أكثر مما يصيب الذين استغلّوه. ماذا نقول لأمّ ودّعت أبناءها إلى المنافي؟ ولأسرة بنت بيتها ثم فقدت أمانها؟ ولإنسان عمل عمره كي يترك لأطفاله مستقبلاً؟ إن حياتكم كانت محاولة عبثية داخل خطأ على الخريطة؟

الأشد إيلاماً والأكثر دقة أن نقول: كانت أمامنا إمكانية لبناء وطن، وقد أُهدرت مراراً. كان يمكن للتعدّد أن ينتج ضمانات متبادلة، فاستُخدم لإدامة الخوف. وكان يمكن للموقع أن يفتح فرصاً للتكامل، فصار مادة للتجاذب. وكان يمكن للاستقلال أن ينقل المسؤولية إلى المواطنين ومؤسساتهم، فبقي كثير من القرار رهينة موازين تتجاوزهم.

لهذا، نعم، آن الأوان للاعتراف بأن أسساً في التجربة اللبنانية تحتاج إلى مراجعة جذرية: مفهوم المواطنة، والعلاقة بين الطائفة والسلطة، وعدالة التنمية، واستقلال المؤسسات، ومعنى السيادة والمسؤولية العامة.

وآن الأوان أيضاً لنفهم أن مراجعة التأسيس لا تكتمل بالحنين إلى خريطة أخرى. لا أحد يستطيع إثبات أن تاريخاً بديلاً كان سيمنح الناس تلقائياً الحرية والعدالة والازدهار. ما نستطيع المطالبة به هو نظامٌ يُحاسَب على ما يفعله اليوم، ولا يختبئ خلف أمجاد الأمس أو أخطائه.

ليس أشدّ ما يؤلم في لبنان أننا نختلف على كيف وُلد، بل أننا ما زلنا نؤجّل الاتفاق على كيف يستحق أبناؤه أن يعيشوا.

وحين يصبح الرحيل أكثر إقناعاً من البقاء، تكون السلطة مطالبة بتقديم حسابها، قبل أن يُطلب من الوطن تقديم شهادة صلاحية لوجوده.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك