خاص بوابة بيروت
في 17 تشرين الأول 2019، لم ينزل اللبنانيون إلى الشوارع فقط اعتراضاً على ضريبة الجوال الجديدة. بل كانت ثورة كرامة في وجه سنوات من الفساد الإداري والمالي وسوء إدارة الدولة، وفي وجه منظومة راكمت الخسائر وأهدرت المال العام وأوصلت البلاد إلى الانهيار المالي، قبل أن يجد المواطن نفسه أمام مأساة ضياع مدخراته وتقييد ودائعه في المصارف.
كانت صرخة المواطن يومها واضحة: كيف يمكن لدولة أن تهدر مواردها، وتراكم العجز والديون، ثم تطلب من المواطن أن يدفع ثمن الانهيار من مدخراته ودخله ومستقبل أبنائه؟
كان 17 تشرين صرخة في وجه واقع شعر فيه اللبناني أن الدولة التي يفترض أن تحمي أمواله وحقوقه أصبحت عاجزة عن حماية الاقتصاد، فيما وجد المواطن نفسه أمام المصارف عاجزاً عن الوصول إلى أمواله التي ادخرها طوال سنوات.
لم تكن المشكلة يومها في ضريبة واحدة.
كانت المشكلة في نموذج إدارة دولة أوصل الاقتصاد إلى حافة الانهيار، وأفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات والقطاع المصرفي وبقدرة الدولة على حماية حقوقهم.
واليوم، بعد سبع سنوات، يعود السؤال أكثر إلحاحاً: هل تتحول ثورة كرامة 17 تشرين 2019 إلى ثورة جوع في 17 تشرين 2026؟
السؤال ليس دعوة إلى الفوضى أو إلى الشارع، بل هو تحذير من واقع اقتصادي واجتماعي أصبح أكثر قسوة، فيما لا يزال المواطن يدفع من دخله ومدخراته ومستقبل عائلته ثمن أزمة لم يكن وحده مسؤولاً عن صناعتها.
فمن سرق من المواطن ثقته بالدولة، عليه اليوم أن يعيد إليه هذه الثقة.
ومن يتحمل مسؤولية إدارة المال العام، عليه أن يجيب عن كيفية الوصول إلى هذا الانهيار.
ومن يريد من المواطن أن يدفع المزيد من الضرائب، عليه أولاً أن يقدم له دولة تستحق ما يدفعه.
لأن المواطن لا يستطيع أن يدفع مرتين: مرة من جيبه، ومرة من مستقبله.
الدولة تجبي… والمواطن يدفع
لا أحد ينكر أن الدولة تحتاج إلى الضرائب كي تموّل مؤسساتها، وتدفع رواتب موظفيها وعسكرييها، وتؤمن الخدمات العامة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الضريبة إلى عبء إضافي على مواطن فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية، من دون أن يحصل في المقابل على خدمات عامة توازي ما يدفعه.
المواطن اللبناني اليوم يدفع ثمن كل شيء تقريباً.
يدفع للكهرباء، وللمولد، وللمياه، وللإنترنت، وللطبابة، وللتعليم، وللنقل، وللسكن، وللغذاء، ويدفع الضرائب والرسوم في الوقت نفسه.
فأين هي الدولة؟
أين هي الحماية الاجتماعية؟
وأين هي الخدمات العامة التي يفترض أن تكون حقاً للمواطن مقابل الضرائب التي يدفعها؟
في موازنة 2026، تظهر أرقام وزارة المالية أن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب إلى النفقات الجارية، فيما تستحوذ الرواتب والأجور وملحقاتها على نسبة كبيرة من هذه النفقات، في مقابل مساحة محدودة للإنفاق الاستثماري.
وهنا السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه: هل يستطيع لبنان أن يبني اقتصاداً جديداً إذا بقي القسط الأكبر من إنفاق الدولة موجهاً إلى الإنفاق الجاري، فيما يحتاج البلد إلى استثمارات وبنية تحتية وإنتاج وفرص عمل؟
المشكلة ليست في الموظف أو العسكري الذي يستحق راتبه.
المشكلة في بنية الدولة نفسها، وفي غياب إصلاح حقيقي يجعل المال العام أكثر إنتاجية وأقل هدراً.
المواطن أمام فاتورة لا تنتهي
المواطن اللبناني لم يعد يدفع فاتورة واحدة.
إنه يدفع سلسلة كاملة من الفواتير التي تستنزف راتبه قبل أن يصل منتصف الشهر.
كهرباء، مولد، مياه، إنترنت، مدرسة، طبابة، نقل، إيجار، مواد غذائية، أقساط، وضرائب.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الرواتب والمداخيل عاجزة عن مواكبة ارتفاع كلفة الحياة.
والنتيجة واضحة: الطبقة الوسطى تتآكل، والفقر يتوسع، والقدرة على الاستهلاك تتراجع.
وعندما يتراجع استهلاك المواطن، يتراجع معه عمل المؤسسات والتجار والمصانع والخدمات.
وهكذا ندخل في دائرة خطيرة: دخل أقل، استهلاك أقل، إنتاج أقل، فرص عمل أقل، وفقر أكثر.
الضرائب ليست علاجاً لكل شيء
الضريبة ضرورة لأي دولة.
لكن الضريبة وحدها لا تستطيع أن تعالج اقتصاداً يعاني من الركود.
عندما ترتفع الضرائب على المحروقات والسلع والمشتريات، لا يدفع المواطن الضريبة فقط.
تنتقل الزيادة إلى كلفة النقل والإنتاج والتوزيع والاستيراد، ثم تعود إلى المواطن على شكل أسعار أعلى.
وهنا تصبح المعادلة: ضرائب أعلى، كلفة أعلى، أسعار أعلى، استهلاك أقل، واقتصاد أضعف.
السؤال لم يعد: كم تستطيع الدولة أن تجبي؟
بل: كم يستطيع المواطن والاقتصاد أن يتحملا؟
التاجر أيضاً تحت الضغط
ليس من العدل أن يُنظر دائماً إلى التاجر على أنه سبب ارتفاع الأسعار.
التاجر نفسه يواجه كلفة تشغيل مرتفعة: كهرباء، مولد، إيجارات، رواتب، نقل، شحن، تأمين، رسوم وضرائب.
وكل هذه التكاليف تدخل في السعر النهائي للسلعة.
لذلك، فإن معالجة الغلاء لا تكون فقط بمراقبة الأسعار في المتاجر.
المطلوب معالجة كلفة الاقتصاد اللبناني نفسه.
فإذا كانت كلفة الإنتاج والاستيراد والنقل والتوزيع مرتفعة، فلن يكون من السهل خفض الأسعار بمجرد إصدار قرارات رقابية.
الحرب تضيف عبئاً جديداً
وفي ظل الحرب والاضطرابات الإقليمية، يصبح الوضع أكثر صعوبة.
ارتفاع أسعار النفط والطاقة واضطراب حركة النقل والشحن والتأمين ينعكس سريعاً على لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
ومع اضطراب حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، يصبح لبنان أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
لكن السؤال هنا: هل وظيفة الدولة أن تضيف أعباء جديدة على المواطن في وقت ترتفع فيه كلفة الحياة، أم أن عليها أن تبحث عن وسائل لتخفيف آثار الأزمة؟
الدولة لا تستطيع التحكم بالحرب أو بأسعار النفط العالمية، لكنها تستطيع أن تختار كيف تدير اقتصادها وكيف تحمي مواطنيها من الصدمات.
أزمة المصارف والودائع… الجرح المفتوح
لا يمكن للبنان أن يعيد إطلاق اقتصاده من دون معالجة أزمة المصارف والودائع.
الأموال المحتجزة في المصارف ليست مجرد أرقام في حسابات.
إنها مدخرات مواطنين، ورؤوس أموال مؤسسات، وأموال كان يمكن أن تدخل في الاستثمار والإنتاج والسكن والتجارة.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي يجب أن تكون أولوية وطنية.
لكن إعادة الهيكلة يجب أن تكون واضحة وعادلة وشفافة، وأن تحدد المسؤوليات والخسائر، وألا يتحمل المودع وحده كلفة الأزمة.
إعادة الأموال إلى أصحابها ليست فقط قضية مالية.
إنها قضية ثقة.
ومن دون الثقة، لا يمكن إعادة بناء الاقتصاد.
إعادة هيكلة الدولة
لبنان يحتاج أيضاً إلى إعادة النظر في حجم القطاع العام وطريقة عمله.
ليس المطلوب ضرب الموظف أو العسكري أو المس بحقوق الناس، بل بناء إدارة عامة أكثر كفاءة وأقل كلفة.
المكننة والتحول الرقمي يمكن أن يخففا الكثير من المعاملات الورقية والفساد الإداري، ويختصرا الوقت والكلفة، ويزيدا قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
لماذا يحتاج المواطن إلى ساعات وأيام لإنجاز معاملة يمكن إنجازها إلكترونياً خلال دقائق؟
ولماذا تبقى الدولة أسيرة الورق والروتين فيما العالم يتجه إلى الإدارة الرقمية؟
الدولة الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى عدد أكبر من الموظفين لإنجاز معاملاتها.
تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، وتكنولوجيا أفضل، ورقابة أقوى.
ماذا عن المؤسسات العامة؟
يجب أن تكون هناك مراجعة جدية لكل مؤسسة عامة.
ما الذي تستطيع الدولة إدارته بكفاءة؟
ما الذي يمكن أن يكون شراكة بين القطاعين العام والخاص؟
وما الذي يمكن خصخصته ضمن ضوابط تمنع الاحتكار وتحمي المواطن؟
الخصخصة ليست هدفاً بحد ذاتها.
والقطاع العام ليس مقدساً بحد ذاته.
المعيار يجب أن يكون: أي نموذج يقدم خدمة أفضل للمواطن، ويكلف الدولة أقل، ويمنع الهدر والفساد؟
الجيش يحتاج إلى عديد وتجهيز
وفي موضوع الجيش، يجب أن يكون النقاش وطنياً بعيداً عن المزايدات.
الجيش يحتاج إلى عديد بشري، لكنه يحتاج أيضاً إلى معدات حديثة وقدرات دفاعية متطورة وتكنولوجيا وتدريب وتجهيز.
قوة الجيش لا تقاس فقط بعدد عناصره، بل بقدراته الفعلية على حماية الحدود والأراضي اللبنانية والتعامل مع التحديات الأمنية.
وهذا يحتاج إلى قرار سياسي واضح وإلى توافق بين مؤسسات الدولة، وإلى استراتيجية دفاعية تراعي إمكانات لبنان وحاجاته.
إعادة الودائع تعني إعادة تشغيل الاقتصاد
عندما تعود الثقة إلى القطاع المصرفي، يمكن أن تعود الحياة إلى قطاعات اقتصادية واسعة.
القروض السكنية تعيد تحريك قطاع البناء.
القروض التجارية تساعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
تمويل المشاريع يخلق فرص عمل.
وتمويل الصناعة والزراعة والخدمات يعيد الدورة الاقتصادية.
لبنان لا يحتاج فقط إلى مساعدات خارجية.
لبنان يحتاج إلى اقتصاد يعمل.
اقتصاد يسمح للشاب بأن يجد وظيفة، ولصاحب المؤسسة أن يوسع عمله، وللعائلة أن تشتري منزلاً، وللمستثمر أن يضع أمواله في لبنان بثقة.
المطلوب اقتصاد ينتج لا دولة تنفق فقط
لبنان لا يستطيع أن يستمر في سياسة معالجة العجز بزيادة الأعباء على المواطن.
المطلوب توسيع الاقتصاد قبل توسيع الضرائب.
كلما كبر الاقتصاد، زادت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
أما إذا بقي الاقتصاد في حالة انكماش، فإن رفع الضرائب قد يؤدي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار والإنتاج، وبالتالي إلى مزيد من الضعف الاقتصادي.
المطلوب قاعدة ضريبية أوسع، وعدالة أكبر، ومكافحة فعلية للتهرب الضريبي، وإعادة إطلاق القطاعات الإنتاجية.
ليس المطلوب أن يدفع المواطن الملتزم أكثر.
المطلوب أن يدفع الجميع وفق قدرتهم ووفق القانون.
17 تشرين لم ينتهِ
بعد سبع سنوات على 17 تشرين، لا يمكن القول إن الأسباب التي دفعت اللبنانيين إلى الشارع قد اختفت.
أزمة المصارف. الودائع. الغلاء. ضعف الخدمات. البطالة. الهجرة. تراجع القدرة الشرائية. ارتفاع كلفة التعليم والطبابة والسكن.
كلها أزمات لا تزال حاضرة بدرجات مختلفة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه ليس فقط: ماذا حدث في 17 تشرين؟
بل: لماذا بقيت الأسباب التي أنتجت 17 تشرين حتى اليوم؟
فهل من يسمع؟
لبنان أمام مفترق طرق.
إما أن تبدأ الدولة بإصلاحات حقيقية تعيد الثقة إلى المواطن والاقتصاد، وإما أن يستمر النزيف الاجتماعي والاقتصادي… المطلوب :
- قرار بإعادة هيكلة المصارف.
- قرار بإعادة الودائع إلى أصحابها ضمن خطة عادلة وقابلة للتنفيذ.
- قرار بإصلاح الإدارة العامة.
- قرار برقمنة الدولة.
- قرار بإعادة إطلاق القروض السكنية والتجارية.
- قرار بدعم القطاعات الإنتاجية.
- قرار بإعادة النظر في الضرائب التي تثقل كاهل المواطن.
- وقرار بجعل الأمن الاقتصادي والاجتماعي جزءاً أساسياً من الأمن الوطني.
في 17 تشرين 2019 كانت الصرخة من أجل الكرامة.
أما في 17 تشرين 2026، فلا يجوز أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها الصرخة من أجل الخبز.
فالمواطن الذي يفقد قدرته على تأمين حاجاته الأساسية لا يعود يبحث عن رفاهية.
إنه يبحث عن حقه في الحياة.
فهل من يسمع؟
أم سنبقى نؤجل الحلول، ونزيد الضرائب، ونراقب الاقتصاد وهو يتراجع، إلى أن تصبح كلفة الإصلاح أكبر من قدرتنا على تحمله؟
لبنان لا يحتاج إلى معجزة. لبنان يحتاج إلى قرار. قرار يعيد الثقة إلى الاقتصاد، والمال إلى المصارف، والإنتاج إلى السوق، والخدمة إلى الدولة، والأمل إلى المواطن، وإلا الانفجار.
