حين تُستباح الحياة باسم الموت
بقلم قمر رشيد – خاص بوابة بيروت
هذا البلدِ، لم تعدِ المشكلةُ في العدوِّ فقط، بل في من قرَّر أن يُحوِّلَ الحياةَ نفسها إلى تُهمةٍ.
يا من توزِّعون التُّهمَ وتُصنِّفون الناسَ بين “وطنيٍّ” و”خائنٍ”، بأيِّ حقٍّ؟
مَن أعطاكم سلطةَ الحكمِ على الناسِ، وأنتم لم تُقدِّموا لهم إلا الحروبَ والانهيارَ؟
هل تذكرون ما فعلتموه، أم إنَّ الذاكرةَ انتقائيةٌ حينَ يتعلَّقُ الأمرُ بمحاسبةِ أنفسِكم؟
كيف تجرؤون على تخوينِ مَن يطالبُ بأن يعيشَ؟
بأيِّ منطقٍ تُصادرون حقَّ الناسِ في الحياةِ، وأنتم مَن أدخلهم في حروبٍ لم تجلبْ إلا الدمارَ؟
أين انتصاراتُكم؟
أين وعودُكم؟
لم نرَ إلا بلدًا ينهارُ، وناسًا تُدفنُ تحت الركامِ، ومستقبلًا يُسرقُ على مرأى من الجميعِ.
تتحدَّثون عن الكرامةِ، لكنَّكم لم تتركوا للناسِ ما يعيشون به بكرامةٍ.
ترفعون شعاراتٍ كبيرةً، لكنَّ نتائجَكم كانت دائمًا أصغرَ من أن تُقاسَ، لأنَّها كانت صفرًا، أو أقلَّ.
ثم تأتون لتخوِّنوا مَن يقولُ: “كفى”.
ولو كنتم فعلًا تريدون القضاءَ على “إسرائيل”، ألم يكن ذلك ممكنًا منذ زمنٍ؟
تقولون إنَّ صواريخَكم تصلُ إلى ما بعد حيفا، فماذا تنتظرون؟
أم إنَّ الحقيقةَ التي لا تُقالُ، أنَّ “القضاءَ عليها” ليس الهدفَ؟
أم إنَّ نهايتَها تعني نهايةَ دورِكم؟
هل المشكلةُ في العدوِّ، أم في الحاجةِ الدائمةِ إليه؟
هنا تكمنُ المفارقةُ الأخطرُ، أنَّ ممارساتِكم لم تُنتجْ وعيًا مقاومًا، بل دفعت شريحةً واسعةً من اللبنانيين إلى القبولِ بما كانوا يرفضونه يومًا.
حينَ يفقدُ الناسُ ثقتَهم بالشعاراتِ، لا يتمسَّكون بها، بل ينقلبون عليها.
هكذا، لم يعدِ الانقسامُ فقط حول العدوِّ، بل حول معنى المقاومةِ نفسها، بعدما تآكلت مصداقيتُها في الداخلِ والخارجِ.
رغم فشلِ هذا الخطابِ الشعبويِّ في تحقيقِ وعودِه، إلا أنَّه نجحَ في أمرٍ واحدٍ: تغييرِ وعيِ الناسِ.
بعد عقودٍ من القمعِ، والبلطجةِ، وحكمِ الأجهزةِ، لم تعدِ الشعاراتُ تكفي.
سقطت هيبتُها، لأنَّ الواقعَ كان دائمًا يُكذِّبُها.
فهل أنتم ترفضون التفاوضَ لأنَّ الدولةَ وحدَها مَن يفاوضُ؟
أم لأنَّ القرارَ ليس بأيديكم؟
وإن كانت إيرانُ هي مَن تفاوضُ عن لبنانَ، هل كنتم ستقبلون؟
أم كان سيصبحُ “حكمةً” بدلَ “خيانةٍ”؟
المشكلةُ ليست في التفاوضِ، بل في من يحتكرُ القرارَ، ويريدُ من الجميعِ أن يسيروا خلفَه، حتى لو كان الطريقُ إلى الهاويةِ.
كيف تجرؤون على تخوينِ الناسِ، وأنتم لم تتركوا لهم خيارًا سوى الخسارةِ؟
كيف تجرؤون على الحديثِ عن الشرفِ، وأنتم تسوقون شعبًا كاملًا إلى حروبٍ لا يريدُها؟
أنسيتم ما فعلتموه في أحداثِ 7 أيار 2008؟
يومَ توجَّه سلاحُكم إلى بيروتَ، يومَ سقط لبنانيون برصاصِكم، يومَ احتللتم العاصمةَ من الداخلِ.
هل هكذا تُحمى الأوطانُ؟
هل هكذا يُعامَلُ أهلُ البلدِ؟
مَن يفعلْ هذا بشعبِه، لا يحقُّ له أن يُزايدَ على أحدٍ بالوطنيةِ.
أنتم لا تختلفون كثيرًا عمَّن تدَّعون عداوتَه، حينَ يصبحُ اللبنانيُّ مجرَّد رقمٍ في معادلاتِكم، وحينَ تتحوَّل دماؤُه إلى وسيلةٍ، لا خطًّا أحمرَ.
نحنُ هذا الجيلَ لم نعشْ يومًا حياةً طبيعيةً.
عشنا الخوفَ والانهيارَ، والانتظارَ الدائمَ للأسوأِ.
فهل تريدون أن نورِّثَ أولادَنا ما عشناه؟
هل تريدون جيلًا جديدًا يعيشُ على نفسِ الكوابيسِ، ويُصدِّقُ نفسَ الأكاذيبِ؟
لعلَّكم تُدركون يومًا أنَّ ما خسرناه لم يكن عابرًا، بل أعمارًا وأحلامًا وطمأنينةً لن تعودَ.
لعلَّكم تفهمون أنَّ هذا الجيلَ لم يعد يحتملُ المزيدَ من الانتظارِ بين حربٍ لم تنتهِ، وأخرى تُحضَّرُ له.
كفى.
لبنانُ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ من الحروبِ، ولا إلى مزيدٍ من الشعاراتِ الفارغةِ.
يحتاجُ إلى قرارٍ واحدٍ فقط: أن نعيشَ.
والمشكلةُ الحقيقيةُ، أنَّ هذا القرارَ بالنسبةِ للبعضِ هو أخطرُ من الحربِ نفسها.
لعلَّهم يخشون الحياةَ أكثرَ ممَّا يخشون الحربَ.