نجاح تفاوض #لبنان مرهون بغطاء #عربي #تركي
بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

كاتب وناشط سياسي
هل يعود لبنان إلى حضنه العربي والتركي قبل التوجّه إلى التفاوض على السلام من جديد ؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح في ظل التحولات المتسارعة في المنطقة، وتبدّل موازين القوى، وتراجع قدرة الدول الصغيرة على المناورة منفردة في مواجهة تحديات وجودية.
لبنان، البلد الذي يفتقد اليوم إلى أوراق تفاوض حقيقية، يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إما الذهاب إلى طاولة التفاوض ضعيفاً، مكشوفاً، عرضة للضغوط والإملاءات، أو إعادة تموضعه ضمن بيئة عربية وإقليمية تمنحه الحد الأدنى من الحماية السياسية والدبلوماسية. فالتجارب التاريخية تثبت أن التفاوض دون سند، في منطقة تعجّ بالصراعات، ليس سوى مقامرة غير محسوبة النتائج.
من هذا المنطلق، يصبح منطقياً التساؤل: أليس من مصلحة بلد كلبنان، لا يملك عناصر قوة تقليدية، أن يتحصّن بغطاء عربي وتركي قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي؟ هذا الغطاء لا يعني فقط الدعم السياسي، بل يشكّل أيضاً مظلة ردع غير مباشرة، تحدّ من تغوّل الطرف الآخر وتفرض عليه حسابات أكثر توازناً.
التجربة المصرية تقدّم مثالاً معبّراً، وإن كانت مختلفة في السياق والظروف. فمصر، التي خرجت من حرب أكتوبر وهي تمتلك موقعاً تفاوضياً قوياً، لم تذهب مباشرة إلى السلام بشكل منفرد. حاول الرئيس أنور السادات آنذاك أن يجرّ معه العرب إلى مسار تفاوضي مشترك، مدركاً أهمية الغطاء الجماعي. إلا أن الخلافات العربية، وعلى رأسها موقف سوريا بقيادة حافظ الأسد، دفعت القاهرة في النهاية إلى اتخاذ قرار منفرد، ما عرّضها لعزلة عربية مؤقتة وانتقادات واسعة.
ورغم ذلك، لا يمكن إغفال أن مصر كانت تملك ما لا يملكه لبنان اليوم: ثقل ديمغرافي، قوة عسكرية، ودعماً دولياً وازناً، إضافة إلى وجود إدارة أميركية في عهد جيمي كارتر أبدت استعداداً للعب دور الوسيط الداعم لتسوية متوازنة نسبياً. هذه العوامل مجتمعة سمحت لمصر بتحقيق مكاسب استراتيجية، أبرزها استعادة أراضيها.
أما لبنان، فيقف اليوم في موقع مختلف تماماً. فهو يواجه خصماً متفوقاً عسكرياً ومدعوماً سياسياً بشكل شبه مطلق، في ظل بيئة دولية أقل توازناً، حيث تتداخل المصالح وتغلب الحسابات الضيقة. من هنا، تبدو أي خطوة تفاوضية أحادية أقرب إلى المجازفة منها إلى القرار المدروس.
الواقع الحالي يشير إلى أن خيار التفاوض لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة لوقف الاعتداءات واستعادة الأراضي المحتلة حديثاً. لكن هذه الضرورة لا يجب أن تدفع لبنان إلى التسرّع أو القبول بشروط غير متكافئة. فالتوقيت، والشكل، وهوية الداعمين، كلها عوامل حاسمة في تحديد نتائج أي مسار تفاوضي.
في هذا السياق، يبرز الدور المحتمل لكل من الدول العربية الأساسية وتركيا، كرافعة سياسية يمكن أن تساهم في إعادة التوازن إلى طاولة المفاوضات. وجود دعم عربي–تركي لا يمنح لبنان فقط ثقلاً تفاوضياً، بل يحدّ أيضاً من احتمالات تفرده أو ابتزازه سياسياً.
التحوّل في التموضع السياسي للبنان، ولا سيما الابتعاد عن بعض التحالفات الإقليمية السابقة، قد يشكّل فرصة لإعادة الاندماج في محيطه العربي. غير أن هذه الخطوة تبقى ناقصة إن لم تُستكمل بانخراط فعلي في منظومة دعم إقليمي تضمن له الحد الأدنى من الحماية.
التاريخ القريب يحمل دروساً قاسية، لا سيما في التجربة الفلسطينية، حيث أظهرت مسارات التفاوض غير المحصّنة كيف يمكن أن تتحول الوعود إلى التزامات من طرف واحد، وكيف يمكن للطرف الأقوى أن ينكث بتعهداته دون رادع حقيقي، ما يترك الطرف الأضعف في موقع هشّ ومعرّض للخسارة.
انطلاقاً من ذلك، لا يمكن للبنان أن يكرّر أخطاء الآخرين. التفاوض ليس مجرد جلوس إلى طاولة، بل هو عملية معقّدة تتطلب توازناً في القوى، أو على الأقل شبكة أمان سياسية تعوّض غياب هذا التوازن. ومن دون غطاء عربي وتركي واضح، يصبح هذا المسار محفوفاً بالمخاطر.
في الخلاصة، إن نجاح أي تفاوض لبناني لا يرتبط فقط بمهارة المفاوض أو بحسن النوايا، بل بمدى قدرته على الاستناد إلى عمق استراتيجي يحميه. وهذا العمق، في ظل المعطيات الحالية، لا يمكن أن يكون إلا عربياً–تركياً، يضمن للبنان ألا يكون وحيداً في مواجهة استحقاق مصيري.