
كاتبة وناشطة سياسية
قلعة الشقيف… حين يصبح التاريخ جرحًا شخصيًا
بقلم خلود وتار قاسم
كان لي الحظ أن أزور قلعة الشقيف ذات يوم. ما زلت أذكر الطريق الصاعد نحوها، والهواء الذي كان يحمل رائحة الجنوب بكل ما فيه من زعتر وتراب ومطر وذكريات. أذكر كيف وقفت فوق تلك التلة العالية أتأمل القرى الممتدة تحتها، وأشعر أنني لا أقف فوق قلعة حجرية فحسب، بل فوق طبقات من التاريخ تراكمت حجراً فوق حجر، ودمعة فوق دمعة، وحلماً فوق حلم.
يومها لم أرَ مجرد موقع أثري. رأيت الجنوب كله.
رأيت الأرض التي تعبت كثيراً لتبقى أرضاً لأهلها. رأيت القرى التي دفعت أثماناً باهظة كي تستمر الحياة فيها. ورأيت قلعة وقفت منذ قرابة تسعة قرون تراقب الغزاة وهم يأتون ويرحلون، بينما هي باقية في مكانها كأنها تقول للجميع: أنا هنا قبلكم وسأبقى بعدكم.
لهذا أشعر اليوم بألم خاص وأنا أتابع ما يحدث في الشقيف.
فليست القضية مجرد سيطرة عسكرية على موقع مرتفع أو معلم أثري. القضية أن أقدام الاحتلال تعود مرة أخرى لتدنّس حجارة حملت ذاكرة أجيال من أبناء الجنوب. تعود إلى القلعة نفسها التي شهدت الصليبيين وهم يعتقدون أن أسوارها ستحمي مشروعهم، ثم شهدت صلاح الدين وهو يستعيدها. شهدت المماليك والعثمانيين والانتدابات والحروب الحديثة، وبقيت واقفة رغم كل شيء.
في عام 1982 وصل الاحتلال إلى الشقيف، ووقف فوق أسوارها كما يقف اليوم. يومها أيضاً ظن أن القوة العسكرية قادرة على تغيير مسار التاريخ. لكن السنوات أثبتت أن التاريخ لا يُكتب من فوهة بندقية، وأن الأرض قد تُحتل لكنها لا تنسى أصحابها.
اليوم يتكرر المشهد. الصور نفسها تقريباً. الجنود أنفسهم بثقة المنتصر المؤقت. والخطاب نفسه الذي سمعناه مراراً في منطقتنا. لكن ما لا يتغير أيضاً هو حقيقة واحدة: أن كل من مرّ من هنا اعتقد أنه باقٍ، ثم أصبح جزءاً من الماضي.
قلعة الشقيف ليست مجرد حجارة.
إنها شاهد حي على أن الزمن أطول من عمر الجيوش، وأن إرادة الشعوب أطول من عمر الاحتلالات، وأن الجنوب الذي عانقته من فوق أسوارها ذات يوم سيبقى، مهما اشتدت العواصف ومهما طال الليل.
وحين أنظر اليوم إلى صور الشقيف، أتذكر رائحة ذلك الهواء الجنوبي النقي، وأقول في نفسي: الغزاة يعبرون… أما الأرض فتبقى.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير