بقلم كوثر شيا – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
في كل عام، يعود الرابع من آب، ليس ليُعيد إلينا مشهد الدمار، فبيروت، بفضل أهلها ومحبيها، نهضت من جديد. أُعيد ترميم الأبنية، وعادت المقاهي تضج بالحياة، وامتلأت الشوارع بالناس، واستعادت العاصمة شيئًا من نبضها الذي حاول التفجير أن ينتزعه منها.
لكن هناك أشياء لا يستطيع أي إعمار أن يعيدها.
هناك نوافذ أُصلحت، لكن أصحابها لم يعودوا.
وهناك بيوت أصبحت أجمل مما كانت، لكن أصوات من كانوا يملؤونها بالدفء غابت إلى الأبد.
وهناك قلوب، مهما مرّت السنوات، ما زالت متوقفة عند الساعة السادسة وثماني دقائق من مساء الرابع من آب ٢٠٢٠.
كنت واحدة ممن عاشوا ذلك اليوم.
ولم أكن مجرد شاهدة على الكارثة، بل كنت واحدة من آلاف المتطوعين الذين نزلوا إلى شوارع بيروت لأن المدينة كانت تنادي أبناءها.
لم يكن أمامنا وقت لنسأل ماذا حدث.
كل ما عرفناه أن مدينتنا تنزف.
خرجنا لنبحث عن الأحياء، ولنضمّد الجراح، ولنمسح دموعًا لم تكن تحتاج إلى كلمات، بل إلى يد تمتد وقلب يشعر.
كلما مررت اليوم في الجميزة، أو مار مخايل، أو الكرنتينا، أو قرب المرفأ، أرى مدينة استعادت جمالها، لكن ذاكرتي ما زالت ترى المشهد الأول.
أرى الزجاج الذي غطّى الطرقات.
أسمع صرخات الأمهات وهن يركضن بين الركام يبحثن عن أولادهن.
أتذكر وجوه الآباء التي فقدت ملامحها من شدة الصدمة، وأعين الأطفال التي كبرت في دقائق، بعدما عرفت معنى الخوف قبل أوانه.
أتذكر الأبنية التي بدت وكأنها فقدت جلدها، فلم يبق منها سوى هياكل إسمنتية صامتة، شاهدة على واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان، وإحدى أكبر التفجيرات غير النووية في التاريخ الحديث.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي، لم يكن حجم الدمار…
بل حجم الإنسانية.
رأيت رجال الإطفاء يدخلون إلى قلب الخطر لإنقاذ من لا يعرفونهم.
ورأيت أطباءً وممرضين يعملون حتى الإنهاك، لا يفرّقون بين غريب وقريب.
ورأيت شبابًا وصبايا يحملون المكانس والمعاول بدل أن يحملوا يأسهم، ينظفون شوارع لم تكن من أحيائهم، ويواسون أناسًا لم يلتقوا بهم من قبل.
ورأيت بيروت، رغم نزيفها، تحتضن أبناءها جميعًا.
في تلك الأيام، لم يكن لبنان طوائف ولا أحزابًا ولا انقسامات.
كان وطنًا واحدًا.
وكان قلبًا واحدًا.
وكانت الإنسانية هي الهوية الوحيدة التي جمعت الجميع.
لقد أثبت اللبنانيون أن المدن لا تُقاس بقوة إسمنتها، بل بقوة ناسها.
قد يسقط الحجر…
لكن الإنسان، عندما يؤمن بالمحبة والتضامن، يستطيع أن يبني مدينة من جديد.
واليوم، ونحن نستذكر تلك المأساة، لا نكتب لنوقظ الحزن، ولا لنبقى أسرى الألم.
نكتب لأن الذاكرة مسؤولية.
لأن الوفاء للشهداء لا يكون بالبكاء فقط، بل بحماية الحقيقة، والمطالبة بالعدالة، والعمل كي لا يعيش أي شعب في العالم ما عاشته بيروت.
فالعدالة ليست مطلبًا لعائلات الضحايا وحدها.
إنها حق لكل مواطن، وركيزة لأي دولة تحترم حياة الإنسان.
لقد نهضت بيروت.
وستبقى تنهض في كل مرة.
لكنها تحمل في قلبها ندبة لن يمحوها الزمن.
ندبة تذكّرنا بثمن الإهمال، وبقيمة الحياة، وبأن المدن تُبنى بالحجر، أما الأوطان فتُبنى بالكرامة والعدالة والإنسان.
في هذا اليوم، لا نستحضر الموت لنغرق في الحزن.
بل نستحضر الذين رحلوا لأنهم ما زالوا يعيشون في تفاصيل هذه المدينة.
في كل شجرة زُرعت مكان الركام.
في كل نافذة أُعيد فتحها على البحر.
في كل طفل يضحك اليوم في شارع عاد إليه الأمان.
وفي كل لبناني اختار أن يبقى، وأن يعيد البناء، وأن يؤمن بأن بيروت تستحق الحياة.
فلنجعل من الرابع من آب يومًا للذاكرة، لا للنسيان.
يومًا للوحدة، لا للانقسام.
يومًا نجدد فيه عهدنا بأن تبقى حياة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن تبقى الحقيقة حقًا لا يسقط بالتقادم، وأن تبقى بيروت، رغم كل ما مرّ عليها، عاصمةً للثقافة، والحرية، والإبداع، والكرامة.
رحم الله شهداء المرفأ، وشفى جرحى ذلك اليوم، وعزّى كل أمٍ ما زالت تنتظر جوابًا، وكل أبٍ ما زال يحمل في قلبه فراغًا لا يملؤه الزمن.
ولتبقَ بيروت… مدينةً تعرف كيف تنهض، لكنها لا تسمح لذاكرتها أن تسقط.
