هل يتحمل ماكرون مسؤولية إسقاط الحقيقة في تفجير مرفأ بيروت؟

بقلم طوني بولس – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠

في كلِّ عام، يحلُّ الرابع من آب على اللبنانيين مثقلًا بالشموع والورود والخطابات والدموع، وكأنَّ المأساة لا تزال محصورةً في تفجيرٍ دمَّر نصف العاصمة، وقتل أكثر من مئتين وثلاثين إنسانًا، وجرح الآلاف، وشرَّد مئات الآلاف. لكنَّ الحقيقة أنَّ الرابع من آب لم يعد، منذ سنوات، مجرَّد ذكرى لانفجار مرفأ بيروت، بل أصبح ذكرى لتفجير العدالة نفسها، ولانهيار فكرة الدولة، ولنجاح منظومةٍ سياسيةٍ كاملةٍ في تحويل واحدةٍ من أكبر الجرائم في تاريخ لبنان إلى ملفٍّ معلَّق بين الأدراج القضائيّة والتجاذبات السياسيّة، حتّى كادت الحقيقة نفسها تصبح إحدى ضحايا هذا التّفجير.

المفارقة أنَّ التفجير لم يقع في بلدٍ مستقرٍّ ثم أدخله في الفوضى، بل وقع فوق ركام دولةٍ كانت تنهار أصلًا. ففي صيف عام 2020، كان لبنان يعيش أخطر مراحله منذ انتهاء الحرب الأهلية. كانت انتفاضة السابع عشر من تشرين قد هزَّت أركان النظام السياسي، وكانت السلطة تواجه غضبًا شعبيًّا غير مسبوق، فيما كان الانهيار المالي يلتهم مدَّخرات اللبنانيّين في واحدةٍ من أكبر عمليات تبخُّر الودائع في التاريخ الحديث، حتى بات من يملك مئة دولار في المصرف ضحية، ومن يملك ملايين الدولارات ضحيةً أيضًا. أكثر من مئةٍ وخمسين مليار دولار من أموال اللبنانيين تحوَّلت إلى أرقامٍ على الشاشات، فيما وقف الناس في طوابير البنزين والخبز والدواء، تزامنًا مع اجتياح وباء كورونا، الذي شلَّ العالم ووصل إلى لبنان في أكثر لحظات ضعفه.

كانت البلاد كلُّها تشبه برميل بارود ينتظر الشرارة الأخيرة. الشارع يغلي، والثقة بالدولة سقطت بالكامل، والمطالبة بانتخاباتٍ نيابيةٍ مبكرةٍ أصبحت العنوان الرئيسي للحراك الشعبي، باعتبارها الطريق الوحيد لإسقاط الطبقة السياسية التي حمَّلها اللبنانيون مسؤولية الانهيار الاقتصادي والفساد وسرقة أموالهم.

ثم وقع التّفجير.

في لحظةٍ واحدة، لم يعد اللبنانيون يتحدَّثون فقط عن أزمةٍ مالية، أو فساد، أو انهيار مؤسسات، بل عن مدينةٍ دُمِّرت، وعن جريمةٍ بحجم وطن. بدا وكأنَّ هذا التفجير سيشكِّل نقطة اللاعودة بالنسبة إلى السلطة، وأنَّ الطبقة السياسية لن تستطيع النجاة هذه المرَّة من غضب اللبنانيين، بعدما امتزجت دماء الضحايا بأموال المودعين المنهوبة، وبسنواتٍ طويلةٍ من الفساد والإهمال.

وفي اليوم التالي مباشرةً، هبط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت.

استقبله اللبنانيون بما يشبه لحظة الخلاص. التفُّوا حوله في شوارع الجميزة، وخاطبوه مباشرةً، وطالبوه بمساعدتهم على إسقاط المنظومة. زار السيدة فيروز بوصفها رمزًا للبنان، وغرس شجرة أرز في مشهدٍ أوحى لكثيرين بأنَّ فرنسا جاءت لتشارك في ولادة لبنانٍ جديد، وأنَّ المجتمع الدولي قرَّر أخيرًا الانحياز إلى الشعب، لا إلى السلطة.

لكنَّ ما بدا في الأيام الأولى مشروعًا لإنقاذ لبنان، سرعان ما تحوَّل، في نظر شريحةٍ واسعةٍ من اللبنانيّين، إلى مشروعٍ لإنقاذ الطبقة السياسيّة نفسها.

فبدلًا من أن تتحوَّل المبادرة الفرنسيّة إلى رافعةٍ سياسيّةٍ لإنتاج سلطةٍ جديدة، أو إلى ضغطٍ دوليٍّ من أجل انتخاباتٍ نيابيّةٍ مبكرةٍ تعيد تكوين السلطة، اختارت باريس الجلوس مع القوى السياسيّة ذاتها التي خرج اللبنانيون إلى الشوارع لإسقاطها. وبات الحديث يدور حول تشكيل حكومةٍ توافقيّة، وإعادة تدوير المنظومة، والحفاظ على التوازنات التقليديّة، بدلًا من إحداث القطيعة التي كان الشارع ينتظرها.

منذ تلك اللحظة، شعر كثيرون بأنَّ الزخم الشعبي بدأ يتراجع، وأنَّ السلطة استعادت أنفاسها، وأنَّ المبادرة الفرنسيّة، بقصدٍ أو من دون قصد، منحت الطبقة السياسيّة فرصةً جديدةً للبقاء، بعدما كانت على وشك السقوط. وتفكَّكت تدريجيًّا قوى الانتفاضة، وتراجعت المطالبة بالانتخابات المبكرة، وعادت المنظومة إلى الإمساك بالمؤسسات، وكأنَّ الرابع من آب لم يكن لحظة تغيير، بل محطةً لإعادة إنتاج النظام نفسه.

لاحقًا، تعدَّدت القراءات السياسية لهذا التحوُّل. فهناك من رأى أنَّ باريس فضَّلت الاستقرار على التغيير، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أنَّ المصالح الاقتصاديّة الفرنسيّة، وما أثير آنذاك عن أدوارٍ محتملةٍ لشركاتٍ فرنسيةٍ في إعادة إعمار مرفأ بيروت ومشاريع البنى التحتية، جعلت الواقعيّة السياسيّة تتقدَّم على العدالة. وهذه استنتاجاتٌ سياسيّةٌ بقيت محلَّ نقاش، ولم تثبتها أحكامٌ قضائيّة، لكنّها تعكس حجم خيبة الأمل التي شعر بها جزءٌ كبيرٌ من اللبنانيّين، الذين كانوا ينتظرون من فرنسا أن تكون حليفةً للشعب، فإذا بها تتحوَّل، في نظرهم، إلى وسيطٍ مع السلطة.

في تلك المرحلة أيضًا، اختارت باريس الانفتاح على مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله، في وقتٍ كان الحزب يواجه ضغوطًا دوليةً متزايدة، فيما كانت أصابع الاتهام السياسية داخل لبنان تشير إلى مسؤوليته عن البيئة الأمنية والسياسية التي سمحت ببقاء أطنانٍ من نيترات الأمونيوم في قلب العاصمة سنواتٍ طويلة، من دون محاسبةٍ أو معالجة.

سواءٌ اعتُبر ذلك خيارًا دبلوماسيًّا أو ضرورةً سياسية، فإنَّ النتيجة كانت واحدة: المنظومة استعادت شرعيتها، فيما بدأت الحقيقة تفقد زخمها.

ومنذ ذلك اليوم، دخل التحقيق في نفقٍ طويلٍ من التعطيل. دعاوى الرد، وكفُّ اليد، والطعون، والصراعات القضائية، والضغوط السياسية، وتبدُّل موازين القوى، كلُّها ساهمت في شلِّ التحقيق. خرج موقوفون من السجون، وتعطَّل عمل المحقِّق العدلي مرارًا، وبقي اللبنانيون، بعد سنواتٍ طويلة، عاجزين عن الحصول على جوابٍ بسيط: من قتل أبناءهم؟ ومن يتحمَّل المسؤولية؟

لقد انتصر الوقت على العدالة، وانتصرت السلطة على الحقيقة.

ولهذا، فإنَّ ذكرى الرابع من آب لم تعد، بالنسبة إلى كثيرٍ من اللبنانيين، ذكرى تفجير المرفأ، بل ذكرى اللحظة التي ضاعت فيها فرصةٌ تاريخيةٌ لبناء دولةٍ جديدة. لحظةٌ كان يمكن أن تؤسِّس لمسارٍ مختلف، ينتهي بالمحاسبة وإعادة تكوين السلطة، لكنها انتهت، وفق رؤية منتقدي المبادرة الفرنسية، إلى إعادة تعويم الطبقة السياسية نفسها، وإلى دفن الحقيقة تحت ركام التسويات.

من هنا يبرز السؤال الذي لا يزال يلاحق تلك المرحلة حتى اليوم: هل كان إيمانويل ماكرون يسعى فعلًا إلى إنقاذ لبنان، لكنه أخطأ في تقدير طبيعة المنظومة التي تعامل معها؟ أم أنَّ مبادرته السياسيّة، مهما كانت نياتها، تحوَّلت عمليًّا إلى المظلَّة التي سمحت بإعادة إنتاج السلطة نفسها، وبالتالي ساهمت، بصورةٍ غير مباشرة، في إسقاط فرصة الوصول إلى الحقيقة؟

قد يختلف اللبنانيون حول الإجابة، لكنهم كادوا يجمعون على حقيقةٍ واحدة: بعد ستِّ سنوات، لا تزال العدالة غائبة، ولا تزال الحقيقة ناقصة، ولا تزال الدولة عاجزةً عن محاسبة المسؤولين عن أكبر جريمةٍ عرفها لبنان في تاريخه الحديث. وعندما تغيب العدالة، لا يعود التّفجير مجرَّد مأساةٍ إنسانية، بل يتحوَّل إلى شهادة وفاةٍ لدولةٍ قرَّرت أن تحمي منظومتها أكثر من أن تحمي شعبها.

اخترنا لك