«تكييف» الرسوم مع سعر الصرف… بلاغة لغوية لشرعنة نهب الجيوب؟

آلاف العائلات في الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى ما زالت بلا مأوى، وبيوتها مدمّرة، وبناها التحتية وخدماتها الأساسية متضررة، فيما تنتظر العودة إلى قراها بكرامة.

خاص بوابة بيروت

خرج علينا وزير الإعلام الدكتور بول مرقص بتوضيح مفاده أن مجلس الوزراء لم يستحدث ضرائب جديدة، بل قام بـ«ملاءمة وتكييف» الرسوم مع سعر الصرف.

قد يكون ذلك صحيحاً من الناحية القانونية أو التقنية، لكن السؤال الذي يعني المواطن بسيط جداً:

هل سيدفع المواطن أكثر؟

فبالنسبة إلى المواطن المنهك، تغيير التسمية لا يغيّر النتيجة. فإذا ارتفعت الرسوم فيما بقيت الرواتب والمداخيل عاجزة عن مواكبة الغلاء، فإن العبء يبقى عبئاً، مهما اختلف اسمه.

لكن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى الواقع الاجتماعي الذي يعيشه اللبنانيون اليوم.

أي «تكييف» أمام هذا الواقع؟

آلاف العائلات في الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى ما زالت بلا مأوى، وبيوتها مدمّرة، وبناها التحتية وخدماتها الأساسية متضررة، فيما تنتظر العودة إلى قراها بكرامة.

والدولة نفسها تتحدث عن تأمين هذه العودة الكريمة، وإعادة الإعمار، وتأمين مقومات الحياة إلى جانب أهلنا في طرابلس، حيث تعاني أحياء كثيرة من أبنية متهالكة وآيلة إلى السقوط، وفق إحصاءات وتحذيرات، فيما يعيش قسم كبير من أهلها تحت خط الفقر أو بالكاد فوقه.

وبين هؤلاء، عائلات تعيش على بطاقة أمان ومساعدات شهرية شحيحة، تنتظرها لتؤمّن الحد الأدنى من حاجاتها.

فكيف يمكن التفكير بفرض أعباء ورسوم إضافية على مواطن فقد منزله أو مصدر رزقه، أو على عائلة في طرابلس بالكاد تؤمّن قوت يومها؟

هل الأولوية اليوم للجباية، أم لإنقاذ الإنسان وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة والكرامة؟

أربعة أسئلة لا بد من الإجابة عنها

أولاً: أين تذهب الإيرادات؟

إذا كان المواطن مطالباً بدفع المزيد، فمن حقه أن يعرف ماذا سيحصل في المقابل: كهرباء؟ استشفاء؟ بنى تحتية؟ خدمات عامة؟ أم أن الجباية تسبق الإصلاح؟

ثانياً: أين العدالة في التكييف؟

إذا كان بالإمكان تكييف الرسوم مع سعر الصرف، فلماذا لا تتم معالجة رواتب الموظفين والعسكريين والمتقاعدين وقدرة الناس الشرائية بالمنطق نفسه؟

لا يمكن أن تكون المعادلة أن يدفع المواطن وفق سعر الصرف، بينما يحصل على حقوقه وفق أسعار الماضي.

ثالثاً: أين حماية الفئات الأكثر تضرراً؟

في بلد يعاني فيه المواطن من الفقر والنزوح والدمار وغياب الخدمات، لا يجوز أن تكون الزيادة في الأعباء واحدة على الجميع، من الميسور إلى من فقد منزله ومصدر رزقه.

رابعاً: أين الإصلاح قبل الجباية؟

قبل تحميل الناس أعباء جديدة، المطلوب مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، ضبط الهدر، مراجعة الإنفاق العام، واستعادة الأموال المنهوبة، حتى يشعر المواطن أن الدولة تشاركه التضحية ولا تكتفي بتحميله كلفتها.

كلمة أخيرة…

لسنا ضد تأمين موارد الخزينة، ولا ضد مراجعة الرسوم عندما تتغير قيمة العملة.

لكننا نريد دولة عادلة وشفافة تقول للمواطن بوضوح: كم سيدفع؟ لماذا؟ وأين ستذهب أمواله؟

فالعدالة لا تكون في تكييف الرسوم مع سعر الصرف فقط، بل في تكييف قرارات الدولة مع واقع المواطن وقدرته على التحمل.

سمّوها «تكييفاً» أو «ملاءمةً» أو أي تسمية أخرى، لكن المواطن يعرف الحقيقة ببساطة:

إذا كان سيدفع أكثر، فهو يتحمل عبئاً جديداً.

فهل ستتكيّف الدولة أيضاً مع وجع أهلها؟

أم أن التكييف سيبقى حكراً على الرسوم، فيما يبقى المواطن مطالباً بالتكيّف مع الفقر والدمار والنزوح؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك