٤ آب : الحقيقة لم تمت، تنتظر تحرير العدالة

بقلم إليسا الهاشم – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠

في لبنان، قد يموت المتهم قبل أن يمثل أمام القضاء، لكن العدالة تبقى هي الضحية الأخيرة.

بشار الأسد أُطيح به بعدما نهض السوريون وأسقطوا نظامه. حسن نصرالله قُتل في قلب بيروت بضربة إسرائيلية. وعلي خامنئي قُتل في طهران في 28 شباط 2026، في ضربة أميركية – إسرائيلية مشتركة. ثلاثة أسماء نعتقد حتى اثبات العكس أنها، ترتبط بمأساة مرفأ بيروت. عوقبوا جميعاً، لكن أياً منهم لم يعاقب من قاعة محكمة لبنانية. لم يجلس واحد منهم أمام قاضٍ ليسمع السؤال الذي لا يزال اللبنانيون ينتظرون الإجابة عنه: من قرر أن تبقى 2750 طناً من نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 سبع سنوات كاملة؟

لسنا نريد عدالة تأتي من صاروخ، ولا حكماً يصدر من طائرة حربية. نريد العدالة حيث يجب أن تكون: في المحكمة. نريد أن يهدأ هذا القلب المثقل أخيراً بحكم قضائي، لا باغتيال سياسي أو عسكري، حتى ولو شكّل نوعاً من عدالة قدرية. لأن العدالة التي تأتي خارج القضاء لا تُغلق الجراح، بل تترك السؤال مفتوحاً إلى الأبد.

الوقائع، في جوهرها، ليست موضع خلاف. وصلت الشحنة إلى مرفأ بيروت عام 2013، ولم تطالب بها أي جهة، وبقيت في مكانها رغم ما لا يقل عن عشرة تحذيرات موثقة صدرت عن الجمارك والأجهزة الأمنية والقضاء على مدى ست سنوات. لم يتحرك أحد. ثم جاء مساء الرابع من آب 2020، فانفجر نحو خُمس تلك الكمية، في واحد من أعنف الانفجارات غير النووية في التاريخ، فحصد أكثر من 220 ضحية، وأصاب الآلاف، ومحا نصف العاصمة في لحظات.

الرئيس السابق ميشال عون أقرّ علناً بأنه أُبلغ بوجود النيترات قبل الانفجار بأسابيع، وأنه طلب من قادة الأجهزة الأمنية “اتخاذ ما يلزم”. لكن شيئاً لم يحصل. وبعد الكارثة، اختصر المشهد كله بجملة ستبقى شاهدة على تلك المرحلة: كان الوقت قد “فات”. لم يُطلب إخلاء المنطقة، ولم يُوجَّه أي إنذار إلى السكان. وفي عام 2021 أعلن استعداده الكامل للمثول أمام القضاء إذا طلب منه القاضي طارق بيطار ذلك. انتهت ولايته، ومضت السنوات، ولا يوجد سجل يثبت أنه استُجوب يوماً بصفته مشتبهاً به او اقلّه تحميله مسؤولية معنوية.

هنا تحديداً تكمن المعضلة اللبنانية. ليست المشكلة بطئاً في الإجراءات، ولا تعقيدات قانونية عادية. إنها منظومة بُنيت لتمنع الوصول إلى الحقيقة، وتحمي كل من قد تقترب منه أصابع الاتهام.

القاضي فادي صوان، أول من تولى التحقيق، أُبعد بعد أشهر قليلة من تعيينه، فور محاولته استجواب وزراء سابقين. أما خلفه، القاضي طارق بيطار، فأمضى سنوات في مواجهة سيل من دعاوى الرد وتعطيل التحقيق. أكثر من عشر دعاوى تقدم بها وزيران سابقان وحدهما، فيما دخل نائب عام كان هو نفسه مدعى عليه في الملف على خط المواجهة، فأطلق سراح موقوفين وعطّل قرارات المحقق العدلي بصورة مباشرة. كل مسؤول نافذ استدعاه التحقيق وجد حماية سياسية أو دستورية أو طائفية تمنع مساءلته. وهكذا جُمّد التحقيق فعلياً لعامين كاملين، قبل أن يُستأنف عام 2025. وفي آذار من هذا العام، أقفل القاضي بيطار تحقيقه وأحال الملف بعدما وجّه الاتهام إلى سبعين شخصاً. الملف اليوم أمام النيابة العامة للمراجعة. أما النتيجة، وبعد ست سنوات كاملة، فهي أن مسؤولاً واحداً لم يُحاسب، وأن أعلى ثمن دفعه أحد حتى الآن لم يتجاوز غرامة مالية.

والأكثر مرارة أن كل ذلك جرى فيما كانت الدولة تعد اللبنانيين بمرحلة جديدة.

انتخب لبنان رئيساً تعهّد، في خطاب القسم، بإقفال هذا الملف. وتمّ اختيار رئيساً للحكومة قاضيا ترأس محكمة العدل الدولية، وتسلّم وزارة العدل وزير يمثّل حزب الكتائب، الحزب الذي اغتيل أحد أبرز قادته، الوزير بيار الجميل، ولا تزال الحقيقة القضائية في جريمة اغتياله غائبة حتى اليوم. ومع ذلك، بقي حزب الله وحليفه حركة أمل ممسكين بحقائب وزارية أساسية، وفي مقدّمها المالية والصحة والعمل، ضمن منظومة المحاصصة نفسها التي عطّلت العدالة لسنوات.

رئيس تعهّد بالحقيقة، ووزارة عدل يتولاها ممثل لحزب يعرف، أكثر من غيره، معنى انتظار العدالة. ومع ذلك، بقي الصمت سيّد الأحكام. وإذا كانت المحاسبة لا تزال عاجزة عن التحرّك في ظل هذه الظروف، فالمشكلة لم تعد في الأدوات، بل في الإرادة.

ولم يتوقف الثمن عند ضحايا الرابع من آب.

هناك أيضاً من حاولوا كشف الحقيقة، فدفعوا حياتهم ثمناً لذلك.

جو بجاني، المصور الذي وثّق العنبر وساعد المحققين، اغتيل داخل سيارته في كانون الأول 2020، وسُرق هاتفه وكاميرته. وبعد شهرين فقط، عُثر على لقمان سليم مقتولاً في جنوب لبنان، بعدما كان قد اتهم علناً حزب الله والنظام السوري بالمسؤولية عن الانفجار. وقالت شقيقته إنه دوّن، قبل اغتياله، أسماء الأشخاص الذين كان يعتقد أنهم يريدون قتله. وحتى اليوم، لا تزال الجريمتان بلا حقيقة قضائية، وبلا محاسبة.

وهذا ليس جديداً على لبنان، بل هو نمط يتكرّر حتى يكاد يصبح جزءاً من هوية الدولة.

رمزي عيراني، الناشط في القوات اللبنانية، اختُطف من شارع الحمرا في أيار 2002، وعُثر على جثته بعد أسبوعين داخل صندوق سيارة. وبعد ما يقارب ثلاثة وعشرين عاماً على اغتياله، ظهرت الأسبوع الماضي معطيات جديدة أعادت القضية إلى الواجهة. ومع ذلك، لم يواكبها أي تحرّك قضائي يعكس خطورة ما استُجد.

ثلاثة وعشرون عاماً مرّت، وما زال القتلة بلا أسماء، وبلا أحكام، وبلا عدالة. كأن الزمن وحده يتغيّر في لبنان، أما الإفلات من العقاب فيبقى ثابتاً، لا تهزّه الأدلة ولا تحرّكه الوقائع. لكن عائلته وأصدقاءه لم يتعبوا، ولن يتعبوا. لن نتعب. لأن انتظار العدالة ليس استسلاماً، بل إيمان بأن الحقيقة لا تسقط بالتقادم. يجب أن يقتنع القتلة بأننا لن نملّ من الانتظار، ولن نملّ من السؤال، حتى لو احتاج الأمر إلى عمر كامل.

هذا هو لبنان الذي نرفض أن نعتاد عليه: وطن يعرف فيه الجميع، في أعماقهم، ماذا حدث، ومن كان مسؤولاً، ولماذا حدث، لكن أحداً لا يُجبر على قول الحقيقة أمام قاضٍ.

العدالة في لبنان لم تضِع، فالضياع يوحي بالصدفة، وما حدث لم يكن صدفة. العدالة اختُطفت، وحوصرت، وأُفرغت مؤسساتها من قدرتها على المحاسبة.

وحتى تُستعاد، سيبقى الرابع من آب أكثر من مجرد ذكرى سنوية. سيبقى امتحاناً يومياً لدولة لم تحسم بعد إن كانت تريد الحقيقة فعلاً، أم أنها تراهن على أن يبهت الوجع مع مرور الزمن.

لكن الحقيقة لا يبهتها الزمن. وحدهم الذين يخشونها يراهنون على النسيان

اخترنا لك