العدالة المفقودة : حين تُغيِّر السلطة السؤال

خاص بوابة بيروت

لم تكن أغرب حيلة استخدمها الأميركي نيكولاس روسي للهروب من العدالة أن يقول إنه بريء. كانت أكثر جرأة. قال إنه ليس نيكولاس روسي أصلاً. روسي، واسمه الأصلي نيكولاس ألاهفيرديان، أميركي من رود آيلاند استخدم أسماء وهويات متعددة. وحين بدأت ملاحقته في قضايا اعتداء جنسي، ظهرت عام 2020 رواية تفيد بأنه توفي بالسرطان. لكن الرجل الذي قيل إنه مات، ظهر لاحقاً في اسكتلندا، حيث كان يعيش باسم آرثر نايت.

عندما عثرت عليه السلطات في مستشفى في غلاسكو عام 2021، لم تكن المعركة الأولى حول الجرائم المنسوبة إليه، بل حول سؤال أسبق: هل الرجل الموجود أمام القضاء هو نيكولاس روسي أصلاً؟
أنكر ذلك بإصرار، ونسج رواية كاملة عن هوية أخرى. لكن القضاء الاسكتلندي فككها مستعيناً بالبصمات والصور والوشوم وغيرها من الأدلة، وحسم أن «آرثر نايت» هو نيكولاس روسي. وبعد معارك قضائية طويلة، سُلّم إلى الولايات المتحدة مطلع 2024، وأدين في يوتا عام 2025 في قضيتي اغتصاب منفصلتين، قبل أن يتوفى في السجن في حزيران 2026.

ليست أهمية هذه القصة بالنسبة إلى لبنان في الجريمة نفسها، ولا في تشبيه سياسيين لبنانيين بروسي. المقارنة هنا في مكان آخر تماماً: في تغيير السؤال عندما تصبح الإجابة عنه خطرة.

كان السؤال الأصلي: ماذا فعل نيكولاس روسي؟ فحوّله إلى: هل أنا نيكولاس روسي؟

وهنا تبدأ الحكاية اللبنانية. فمشكلة لبنان ليست دائماً في غياب القانون. لديه دستور ومحاكم وقوانين وأجهزة رقابية ومؤسسات يفترض أنها قادرة على التحقيق والمحاسبة. لكن النظام اللبناني أتقن، على مدى عقود، فناً آخر، تغيير السؤال كلما اقترب السؤال الأصلي من صاحب النفوذ.

تسأل: من المسؤول؟
فيأتي السؤال: من يملك صلاحية التحقيق معه؟
تسأل: من اتخذ القرار؟
فيصبح النقاش: هل القضاء المختص يملك حق ملاحقته؟
تسأل: من عرف ومن أهمل؟

فتبدأ معركة الحصانات والاختصاصات وأصول الادعاء والتبليغ.

ولا شيء من هذه الأسئلة غير مشروع في ذاته. فالاختصاص وحقوق الدفاع والحصانات وطرق الطعن ضمانات أساسية في دولة القانون. لكن الفارق كبير بين الإجراء الذي يحمي العدالة والإجراء الذي يصبح بديلاً عنها. حين يؤدي كل باب قضائي إلى باب آخر، وكل طعن إلى طعن، وكل بحث في المسؤولية إلى نزاع جديد حول المرجع الصالح للبحث فيها، يتحول القانون من طريق إلى العدالة إلى متاهة قد تمنع الوصول إليها. وهنا تلتقي، رمزياً، قصة روسي بالقضية اللبنانية. روسي نقل معركته من سؤال “ماذا فعلت؟” إلى سؤال “من أنا؟”.

وفي لبنان، انتقلت ملفات كبرى مراراً من سؤال “من المسؤول؟” إلى سؤال “من يملك الحق في مساءلته؟ والسؤال الثاني، عندما يدور بلا نهاية، لا يقود إلى المسؤولية. يقود إلى الزمن. والزمن أحد أقوى حلفاء الإفلات من العقاب.

المرفأ… حين أصبح التحقيق قضية

لعل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 هو المثال الأكثر إيلاماً. كارثة قتلت أكثر من مئتي شخص، وأصابت الآلاف، ودمّرت أجزاء واسعة من العاصمة. وكان السؤال الذي انتظره اللبنانيون وأهالي الضحايا واضحاً: من أدخل المواد؟ من عرف بوجودها؟ من أهمل؟ من كان يستطيع التدخل ولم يفعل؟

لكن القضية تحولت أيضاً إلى معركة حول المحقق العدلي وصلاحياته، وطلبات الرد والمخاصمة، والحصانات، وصلاحية ملاحقة مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين. فتراجع السؤال الأصلي أمام الأسئلة الإجرائية التي تسبقه.

وبعد سنوات من التعطيل، استؤنف التحقيق. وفي آذار 2026 أنهى المحقق العدلي القاضي طارق بيطار تحقيقاته وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها، في قضية تشمل نحو سبعين مدعى عليه. ولا تعني الإشارة إلى ذلك إصدار حكم مسبق بحق أي منهم. فقرينة البراءة وحقوق الدفاع لا تصبحان أقل أهمية لأن الجريمة كبيرة.
لكن السؤال هو، هل تستطيع الدولة اللبنانية أن توصل قضية تمس أصحاب النفوذ إلى حكم نهائي ضمن مهلة تجعل العدالة ذات معنى؟ فالإفلات من العقاب لا يحتاج دائماً إلى قرار رسمي بالعفو عن المسؤول. أحياناً يكفي ألا يصل الملف إلى نهايته.

فالزمن القضائي ليس محايداً. تمر السنوات، فيتعب أهالي الضحايا، وتتغير الحكومات والتحالفات والأولويات، وتبهت الذاكرة، وقد تتحول القضية التي هزت بلداً إلى ذكرى تعود في المناسبات. وهكذا لا يكون الإفلات من العقاب دائماً انتصار المتهم على القضاء. قد يكون ببساطة انتصار الزمن على القضية.

ومن هنا تكتسب قصة روسي معناها اللبناني. لقد حاول رجل واحد أن يصنع مسافة بين الفعل والمسؤول عنه عبر تغيير هويته. أما النظام السياسي العاجز عن المحاسبة، فلا يحتاج إلى تغيير هوية المسؤول. يكفيه أن يغيّر هوية السؤال.

من المسؤول؟ يصبح: من يحقق؟
ومن يحقق؟ يصبح: هل هو مختص؟
وهل هو مختص؟ يصبح: هل يحق له ملاحقة هذا المسؤول؟
ثم تمر سنة، وأخرى، إلى أن يكاد المجتمع ينسى السؤال الذي بدأت منه القضية.

هذه هي الأزمة

فالمطلوب ليس تجاوز القانون للوصول إلى العدالة. العدالة التي تتجاوز الأصول ليست عدالة. والمطلوب ليس إلغاء الحصانات أو حقوق الدفاع أو طرق المراجعة. المطلوب أن تؤدي هذه الضمانات وظيفتها الطبيعية، محاكمة عادلة، لا استحالة المحاكمة.

ذلك أن دولة القانون لا تُقاس بعدد النصوص التي تمتلكها، بل بقدرتها على تطبيقها عندما يصل التحقيق إلى الأقوياء، لا إلى الضعفاء فقط. وهنا يصبح السؤال اللبناني أعمق من انفجار المرفأ ومن أي ملف آخر مشابه: هل يستطيع النظام اللبناني إنتاج مسؤولية قانونية عندما يكون صاحبها محمياً بنفوذ سياسي أو طائفي أو مؤسساتي؟

إذا كانت الإجابة سلبية، فالمشكلة ليست في قاضٍ واحد ولا في قانون واحد، بل في دولة تستطيع فتح التحقيق ولا تستطيع دائماً الوصول به إلى نهايته. نيكولاس روسي خسر معركته في النهاية. لم تنجح الهوية البديلة في محو هويته الحقيقية، ووصل القضاء إليه وحاكمه.

أما لبنان، فلا يزال يخوض معركة أصعب. فهو لا يبحث عن هوية شخص هارب، بل عن هوية المسؤولية نفسها. يمكن تغيير الاسم، وتغيير الرواية، وتغيير السؤال لسنوات. لكن لا يمكن بناء دولة على مسؤولية بلا صاحب.

لأن الدولة التي تعجز طويلاً عن الإجابة عن سؤال “من المسؤول؟” ستجد نفسها في النهاية أمام سؤال أخطر: ما معنى أن يكون القانون فوق الجميع، إذا كان الوصول إلى بعضهم يحتاج دائماً إلى طريق لا ينتهي؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك