من بلوشستان… رسائل ساخنة إلى طهران

خاص بوابة بيروت

تكشف التطورات المتلاحقة في سيستان وبلوشستان، جنوب شرقي النظام في إيران، عن تصاعد في مستوى التوتر بين الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام والمعارضة المنظمة، في واحدة من أكثر المناطق حساسية واضطرابًا داخل البلاد. وفي وقت يواصل فيه النظام سياسة الإعدامات وتشديد الإجراءات الأمنية، أفادت مصادر «المقاومة الإيرانية» بأن عناصر تابعة لها نفذت، يوم الجمعة 2 تشرين الأول، ثماني عمليات في مدن زاهدان وراسك وإيرانشهر وخاش، استهدفت مواقع ورموزًا مرتبطة بالأجهزة الأمنية والسياسية للنظام.

وبحسب المصادر نفسها، شملت العمليات قاعدة للبسيج في راسك، وموقعًا تابعًا لإحدى الوحدات القتالية، إضافة إلى لوحة إرشادية لمقر قالت إنه تابع لوزارة المخابرات في إيرانشهر، فضلًا عن لوحات وصور دعائية حكومية في زاهدان وخاش. ورغم محدودية هذه العمليات من حيث نطاقها الميداني، فإن «المقاومة الإيرانية» تقدمها باعتبارها مؤشرًا على استمرار نشاط منظم داخل البلاد، وقدرة مجموعاتها على التحرك رغم الإجراءات الأمنية المشددة.

وتزامنت هذه التطورات مع أحداث أمنية أخرى في المنطقة خلال اليوم نفسه. فقد تحدثت تقارير محلية عن اشتباكات مسلحة استمرت أكثر من خمس ساعات بين القوات العسكرية والأمنية ومسلحين قرب قريتي بيدلد وشوشگيم في راسك. وقبل ذلك بساعات، تعرض مقر تابع لإدارة الاستخبارات في نوك آباد لإطلاق نار، من دون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

ويبرز هنا ضرورة التمييز بين هذه الوقائع. فمصادر «المقاومة الإيرانية» نسبت العمليات الثماني في المدن الأربع إلى عناصر تابعة لها، بينما لا تتوافر، وفق المعلومات الواردة، أدلة تؤكد وجود صلة تنظيمية بينها وبين الاشتباكات المسلحة في راسك أو الهجوم على مقر الاستخبارات في نوك آباد. ويكتسب هذا التمييز أهمية في قراءة المشهد الأمني في بلوشستان، حيث تتداخل الأزمات المحلية والاحتقان الاجتماعي والانتشار الأمني والنشاط السياسي المعارض مع حوادث مسلحة متفرقة.

أما في زاهدان، فقد اتخذت التحركات الاحتجاجية، بحسب مصادر «المقاومة الإيرانية»، طابعًا سياسيًا مباشرًا. وأفادت المصادر بأن شبانًا نفذوا عشرات الأنشطة الاحتجاجية، شملت رفع لافتات وكتابة شعارات مناهضة للنظام، من بينها شعار «من زاهدان إلى طهران… الموت للظالم، سواء كان الشاه أو خامنئي».

يحمل هذا الشعار دلالة سياسية في خطاب «المقاومة الإيرانية»، إذ يجمع بين رفض نظام ولاية الفقيه ورفض العودة إلى نظام الشاه، ويتقاطع مع شعار «لا للشاه ولا لنظام الملالي» الذي تطرحه منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. كما يعكس محاولة لربط الاحتجاجات المحلية في بلوشستان بسياق سياسي وطني أوسع، يتجاوز المطالب المرتبطة بالمنطقة إلى رفض أنماط الحكم الاستبدادي، بحسب الجهة التي تقف خلف هذه التحركات.

ولا تنفصل هذه التطورات عن واقع اجتماعي واقتصادي وأمني معقد تعيشه سيستان وبلوشستان منذ سنوات، حيث تتقاطع الأوضاع الاقتصادية الصعبة مع التوترات السياسية والاحتقان المحلي والإجراءات الأمنية والإعدامات. وفي مثل هذه البيئة، يمكن لأي تحرك احتجاجي أو عملية رمزية أن تحمل دلالات تتجاوز حدود المدينة أو المحافظة، خصوصًا عندما يجري تقديمها ضمن خطاب سياسي وطني أوسع.

وفي قراءة «المقاومة الإيرانية»، لا تكمن أهمية العمليات التي أعلنت مسؤوليتها عنها في بعدها الميداني وحده، بل في استمرار النشاط المنظم رغم الإجراءات الأمنية. وبين زاهدان وراسك وإيرانشهر وخاش، تسعى هذه المجموعات، بحسب خطابها، إلى إيصال رسالة مفادها أن تشديد القبضة الأمنية لم يؤدِ إلى إنهاء النشاط المعارض، وأن مناطق مثل بلوشستان لا تزال إحدى الساحات الحساسة في الصراع بين النظام وخصومه.

وتضع هذه التطورات النظام الحاكم أمام تحدٍ أوسع من حدود الملف الأمني، إذ تشير الوقائع المعلنة إلى استمرار مظاهر الاحتجاج والنشاط المعارض في مناطق تعاني أصلًا من أزمات متراكمة. وبين العمليات التي أعلنت «المقاومة الإيرانية» مسؤوليتها عنها والحوادث الأمنية التي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، تبدو سيستان وبلوشستان ساحة تتقاطع فيها الاحتجاجات السياسية مع التوترات الأمنية والاجتماعية، بما يجعل تطوراتها مؤشرًا مهمًا على مستوى الاحتقان داخل البلاد.

اخترنا لك