حين يصبح الجهل أخطر من المؤامرة
نحن بلد بارع في تحليل ما يفعله الآخرون، وأقل براعة بكثير في مساءلة ما نفعله بأنفسنا. نعرف خرائط الدول ومشاريعها وتحالفاتها، ونناقش مخططات الشرق والغرب، ونختلف حول من يريد ماذا من لبنان، لكننا لا نسأل بالجدية نفسها: ماذا يريد لبنان من نفسه؟
–
أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يتآمر عليه الآخرون، بل أن يفقد القدرة على معرفة ما إذا كانوا يتآمرون عليه أم لا. عندها يصبح كل شيء ممكناً: الحقيقة مؤامرة، والمؤامرة وهماً، والكذب وجهة نظر، والمعلومة إشاعة، والإشاعة حقيقة. يضيع الحد الفاصل بين ما نعرفه وما نعتقد أننا نعرفه، ونغرق في ضجيج هائل من التحليلات والاتهامات والتفسيرات، بينما يمضي العالم في صناعة مصالحه ومستقبله… من دون أن ينتظرنا.
وهنا تكمن الخديعة الكبرى.
فالمشكلة ليست في «نظرية المؤامرة» وحدها، ولا في السخرية منها. المشكلة في تحويل النقاش نفسه إلى متاهة: فريق يرى يداً خفية خلف كل حدث، وفريق يستهزئ بكل من يتحدث عن مصالح ومخططات وصراعات نفوذ. وبين هؤلاء وأولئك، تضيع الأسئلة التي كان يجب أن نطرحها منذ البداية: من يملك القوة؟ من يملك المعرفة؟ من يملك المعلومة؟ من يصنع التكنولوجيا؟ من يتحكم بمسارات الاقتصاد؟ ومن يملك القدرة على التأثير في وعي المجتمعات قبل التأثير في قرارات حكوماتها؟
العالم لم يكن يوماً جمعية خيرية، والسياسة الدولية لم تُبنَ على النيات الحسنة. الدول تتحرك وفق مصالحها، تخطط، تفاوض، تضغط، تناور، تجمع المعلومات، تستثمر في التكنولوجيا، وتبني سيناريوهات لما قد يحدث بعد سنوات. هذه ليست «نظرية مؤامرة»، بل أبسط قواعد القوة في العلاقات الدولية. لكن المأساة تبدأ عندما نستخدم المؤامرة عذراً للفشل.
وهنا، لا بد أن نتحدث عن لبنان.
نحن بلد بارع في تحليل ما يفعله الآخرون، وأقل براعة بكثير في مساءلة ما نفعله بأنفسنا. نعرف خرائط الدول ومشاريعها وتحالفاتها، ونناقش مخططات الشرق والغرب، ونختلف حول من يريد ماذا من لبنان، لكننا لا نسأل بالجدية نفسها: ماذا يريد لبنان من نفسه؟
أي دولة نريد؟ أي اقتصاد؟ أي تعليم؟ أي سياسة خارجية؟ أي استراتيجية أمنية ودفاعية؟ أي مكان نريد أن نحتله في عالم يتغير بسرعة مخيفة؟ وهل نملك أصلاً المؤسسات القادرة على إنتاج هذه الإجابات؟
الدولة ليست علماً ونشيداً وحدوداً مرسومة على الخريطة. الدولة عقل. وحين يتوقف هذا العقل عن العمل، تبقى الجغرافيا ويغيب المعنى.
الدولة الحديثة مختبر دائم للمعرفة: جامعات ومراكز أبحاث، بيانات وإحصاءات، تخطيط استراتيجي، إدارة مخاطر، اقتصاد، علم نفس اجتماعي، دراسات مستقبلية، أمن سيبراني، وقراءة مستمرة للتحولات الدولية. أما نحن، فما زلنا في كثير من الأحيان ندير أخطر قضايانا بمنطق رد الفعل: يحدث الحدث أولاً، ثم نغضب، ثم ننقسم، ثم نتبادل الاتهامات، ثم يأتي حدث آخر فننسى الأول.
نعيش التاريخ أكثر مما نصنعه.
والمشكلة أننا ما زلنا نفهم «العلم» بطريقة شديدة السطحية. نعتقد أن امتلاك أحدث هاتف يعني أننا دخلنا عصر التكنولوجيا، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي يعني أننا أصبحنا جزءاً من الثورة المعرفية. لكن الفرق هائل بين مجتمع يستهلك التكنولوجيا ومجتمع ينتج المعرفة التي تصنع التكنولوجيا. العلم ليس الجهاز الذي نحمله. العلم هو العقل الذي يعرف ماذا يفعل بالجهاز، ومن صنعه، ولماذا صنعه، وما البيانات التي يأخذها، وكيف يمكن استخدامه في تشكيل الاقتصاد والسلوك والرأي العام.
لقد تغير مفهوم القوة نفسه.
لم تعد القوة فقط دبابة تعبر الحدود أو طائرة تقصف مدينة. القوة اليوم قد تكون خوارزمية تعرف ما الذي يخيفك، ومنصة تعرف ما الذي يغضبك، ومعلومة تصل إليك في اللحظة المناسبة، واقتصاداً يستطيع خنق دولة من دون إطلاق رصاصة، وذكاءً اصطناعياً يستطيع صناعة صورة وصوت ورواية يصعب على الإنسان العادي التمييز بينها وبين الحقيقة.
والمعركة على الإنسان لم تعد دائماً معركة على جسده أو أرضه. أحياناً تكون معركة على إدراكه.
اجعله يرى ما تريد أن يراه، ويخاف مما تريد أن يخاف منه، ويكره من تريد أن يكرهه، ثم اتركه يعتقد أن القرار قراره.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: عندما نفتح هواتفنا كل صباح وننتقل بين الأخبار والفيديوهات والتعليقات والصور، هل نحن فعلاً نراقب العالم؟ أم أن العالم، بطريقة ما، أصبح يراقبنا ويختبر استجاباتنا ويعرف كيف يجذب انتباهنا ويوجّه انفعالاتنا؟
لا أقول إن هناك غرفة سرية يجلس فيها بضعة أشخاص ويحركون البشرية بأزرار. هذا التفسير ساذج بقدر سذاجة الاعتقاد بأن القوة العالمية تعمل بلا مصالح أو أدوات تأثير. الحقيقة أكثر تعقيداً: هناك دول، وشركات، ومؤسسات، وأسواق، وأجهزة، ومنصات، ومصالح متقاطعة، وكل منها يحاول توسيع نفوذه بما يملك من أدوات.
فأين نحن من كل ذلك؟
نحن في لبنان ما زلنا نستنزف طاقاتنا في انقسامات عمرها عقود، ونستحضر التاريخ لكي نخوض معارك المستقبل، بينما المستقبل نفسه لا ينتظرنا. العالم يناقش الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والفضاء، والطاقة، والمياه، والبيانات، والتحولات الديموغرافية، ونحن ما زلنا نسأل في كثير من الأحيان: من أي طائفة أنت؟ ومن زعيمك؟ ومع أي محور تقف؟
وهنا تحديداً تصبح الطائفية أكثر من مجرد مرض سياسي. تصبح عجزاً معرفياً؛ لأنها تجعل الإنسان يقرأ الحقيقة من خلال هويته قبل أن يقرأها بعقله.
ولا يحتاج الخارج دائماً إلى صناعة نقاط ضعفنا. يكفيه أحياناً أن يعرف كيف يستخدمها.
لهذا فإن القول إن كل مصائبنا صُنعت في الخارج هو هروب من المسؤولية، تماماً كما أن القول إن الخارج لا علاقة له بما يجري في منطقتنا هو إنكار لطبيعة السياسة والجغرافيا والمصالح.
نحن بحاجة إلى شجاعة فكرية تسمح لنا بحمل حقيقتين في الوقت نفسه: نعم، هناك صراع مصالح ونفوذ ومشاريع دولية وإقليمية لا ترحم الضعفاء. ونعم، نحن مسؤولون عن بناء دولة تجعل اختراقنا واستغلال انقساماتنا أكثر صعوبة.
فالآخرون ليسوا ملزمين ببناء وطننا نيابة عنا.
وإذا كان العالم ساحة صراع على المعرفة والقوة والمصالح، فلا يجوز أن تكون استراتيجيتنا الدائمة هي الشكوى من اللاعبين بينما نرفض أن نتعلم قواعد اللعبة.
لبنان لا يحتاج إلى معجزة خارقة بقدر ما يحتاج إلى ثورة في طريقة التفكير: أن يعود العقل إلى السياسة، والعلم إلى القرار، والكفاءة إلى المؤسسة، والمساءلة إلى السلطة، والمواطنة إلى مفهوم الدولة.
نحتاج إلى أن نتوقف عن سؤال أنفسنا فقط: ماذا يفعلون بنا؟
وأن نمتلك الشجاعة لنسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حتى أصبح من السهل أن يفعل الآخرون بنا كل هذا؟
ربما تكون المؤامرة موجودة أحياناً، وربما تكون وهماً أحياناً أخرى. لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى نظرية ولا إلى وثائق سرية:
الشعوب التي لا تنتج المعرفة، يفسّر لها الآخرون العالم.
والدول التي لا تخطط لمستقبلها، تدخل من حيث لا تدري في خطط الآخرين.
والمجتمعات التي تفقد قدرتها على التفكير النقدي لا تحتاج إلى من يخدعها طويلاً… لأنها تصبح مستعدة لتصديق كل شيء ونقيضه.
وهنا، برأيي، تبدأ الخديعة الحقيقية.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير