بقلم د. فاطمة مشرف حماصني – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
هناك تواريخ تمرّ في الذاكرة كصفحات من الماضي، وهناك تواريخ تبقى معلّقة في الروح، لا يطويها الزمن ولا يخفّف من ثقلها مرور السنوات. الرابع من آب هو أحد تلك الأيام. ليس مجرد تاريخ على الروزنامة، بل لحظة انقسم فيها العمر إلى قسمين: ما قبل الانفجار وما بعده.
في ذلك المساء، كنت في اجتماع بالقرب من مرفأ بيروت. كانت دقائق عادية، لا توحي بأن المدينة تقف على حافة واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها التاريخ الحديث. فجأة، دوّى الانفجار. في لحظة، انهار جزء من المبنى الذي كنا فيه، وتناثرت الحجارة والزجاج، وسقط عدد من رفاقي جرحى، سمير تغطّى وجهه بالدم الأسود حتى اختفت عيناه، أحمد يصرخ وزجاجة غارزة في رأسه، جاد، شمص، سليم، داني أين انتم؟؟؟ ارتفع الصراخ!!! لكن لم يكن هناك وقت للتفكير، ولا فرصة لاستيعاب ما يحدث. كان الخوف أكبر من الكلمات، والهلع أسرع من أي رد فعل.
خرجنا إلى الخارج، فإذا بالعالم الذي نعرفه قد تبدّلت معالمه. لم تعد الشوارع شوارعنا، ولا الواجهات واجهاتها، ولا المدينة هي بيروت التي أحببناها. كل شيء كان مغطّى بالغبار، والوجوه مذهولة، والناس يركضون بلا اتجاه، يبحثون عن أحبّائهم، عن ناجين، عن تفسير لما لا يمكن تفسيره. في تلك اللحظات، شعرت أن المدينة نفسها كانت تنزف.
مرت السنوات، لكن الحقيقة المؤلمة أن الزمن لم ينجح في محو ذلك اليوم. فما زالت أصوات الانفجار تسكن ذاكرة من عاشوه وما زلت لا أقوى على زيارة ذلك المبنى وما زالت صور الضحايا والجرحى والدمار تطرق أبواب الذاكرة دون استئذان. بعض الجروح تلتئم، أما جراح الرابع من آب فقد بقيت مفتوحة، لأن العدالة لم تصل، ولأن الحقيقة لم تكتمل، ولأن المسؤولية ما زالت تائهة بين الحسابات والمصالح.
الألم لا يكمن فقط في حجم الكارثة، بل في الشعور بأن حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم يمكن أن تُسحق بهذه السهولة وكأن شيئًا لم يكن. الغضب لا ينبع من الذكرى وحدها، بل من الإحساس بأن الضحايا لم ينالوا حقهم، وأن مدينة بأكملها ما زالت تنتظر كلمة حق وعدالة لا تعرف المساومة.
الرابع من آب ليس فقط يوم حزن. إنه أيضًا يوم وفاء ووعد. وفاء لمن رحلوا، ولمن أُصيبوا، ولمن فقدوا بيوتهم وأحلامهم، ولرجال الإطفاء والمسعفين والأطباء والمتطوعين الذين واجهوا الموت لينقذوا الآخرين، ووعد اننا سنتابع مسيرة كشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين.
لن يكون الرابع من آب يومًا عاديًا في حياتي. سأظل أذكر تلك الثواني التي غيّرت كل شيء، وسأظل أؤمن أن الذاكرة ليست انتقامًا، بل مسؤولية. وأن العدالة ليست مطلبًا سياسيًا، بل حق إنساني لا يسقط بالتقادم.
سنحمل أسماء الضحايا في قلوبنا، ونحمل وجع المدينة في ضمائرنا، ونبقى نردد: قد يتراكم الغبار فوق الركام، لكن الحقيقة لا تُدفن، والعدالة، مهما تأخرت، تبقى الأمل الذي لا يحق لأحد أن يسلبه منا.
