٤ آب، مناسبة سقوط الآلهة المتخمة بالتفاهة

بقلم د. وجيه قانصو – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠

مرارة ذكرى ٤ آب، ليست في التذكر الألم والفاجعة والخسارة فحسب، بل في التغييب الممنهج والخبيث لحقيقة ما جرى، والحؤول دون التعرف إلى المسؤولين وملاحقتهم ومحاسبتهم. بالتالي تأخذ الجريمة قوة مضاعفة: قوّة القتل الجماعي، وقوّة تحويل يوم الجريمة، يومًا اعتياديًّا لم يغير أو يعدل شيئًا في مجرى الحياة العامة، وبقاء مسببّي وفاعلي الجريمة طلقاء ومتنفذين.

إذا كان أساس شرعية كل من في السلطة هو توفير الأمن، فإن إخفاق أهل السلطة في منع حصول جريمة 4 آب والكشف المبكر عنها، هذا مع حسن الظنّ بعدم تورّطهم فيها، هو علامة على سقوط شرعيّة كلّ من يحكم بإسم الشعب، أو يُشَرِّع ويتّخذ القرارات بإسمه، ويحولهم جميعًا إلى منتحلي صفة. هذا يسري ليس على من هم في السلطة فحسب، بل يسري على المجلس النيابي في زمن التفجير، الذي خان أمانة تمثيل الأمة، ولعب دور الحامي والمدافع، عن المشتبه بهم والمتهمين في جريمة المرفأ، والذي للأسف تم إعادة انتخاب أكثرهم ثم أعطوا لأنفسهم حقّ تمديد مدتهم. ما يجعله متآمرًا على الشعب، وشريكًا في الجريمة، لا تكفي فيه التشكيك بشرعيته السياسية والتمثيلية، بل لا بدّ أن يساءل وتوجّه إليه التهم، فردًا فردًا، كتلة كتلة.

لقد أُعطي المتنفّذون مهلة تجاوزت ستّ سنين، وهي كافية لكشف كلّ ملابسات الحدث بالتفصيل، لكنها بدلًا من أن تسهل مجريات التحقيق، أخذت تبتكر حصانات لتضع نفسها فوق القانون، وتقوض آخر حصون الأمن والأمان في الوطن، وتتموضع في خندق المتآمرين على الشعب، لا حماته أو ممثليه.

توقعنا من الجيش حينها أن ينتزع زمام المبادرة، أن يعلن الأحكام العرفية ويحجر على جميع من في السلطة، لأنه بحسب الترتيب، هو الجهة الأخيرة في مؤسّسات الدولة لحماية الوطن والشعب، ليس من المعتدين الخارجيين، بل من اللصوص والقتلة الداخليين المتحكمين بأركان الهيكل. لكن وبدلًا من ذلك، كانت توكل إلى الجيش مهام كشفيّة في إخماد الحرائق، وكانت توزع عناصره على محطات الوقود لضبط تدفّق السيارات، وعلى مفارق الطرق لتفريق المتظاهرين، واستجداء الدول الممولة لتأمين إعاشات غذائية لعناصره.

كذلك فإن البطء في مسار التحقيق والكشف عن الحقيقة، أفقد الجهاز القضائي أيضًا أهليته وصدقيته، لأنه قصَّر أو ساوم أو تواطأ مع أهل السلطة، للحؤول دون كشف الحقائق وإظهارها، ما جعل الجهاز القضائي نفسه، محلّ شكّ وتساؤل حول استقلاليّته وعدم تبعيتّه لقوى السلطة، وتحرّره من إملاءاتها، وحول جدية أدائه وشفافية عمله.

هل هذه دعوة إلى التمرد؟ بالطبع لا، لكنّها دعوة إلى أن يأخذ المجتمع المبادرة، لا في المطالبة فحسب بل المحاسبة والملاحقة، ويتعامل مع حدث 4 آب، لا بصفته مجرّد خطيئة أو خطأ يحاسب عليها القانون، بل جريمة بوزن الخيانة العظمى بحقّ الوطن والشعب. عندها لا يعود للحصانات أيّ قيمة، لأن جريمة المرفأ أسقطت عن هؤلاء ليس فقط الحصانات، بل صفة التمثيل السياسي والقانوني، وجعلتهم متّهمين ومذنبين توجّه إليهم تهمة الخيانة العظمى، إلى أن تثبت براءتهم.

مقولة أن الشعب مصدر السلطات، تعني في هذه المناسبة، أن الملاذ الاخير للخروج من النفق المظلم هو المجتمع بقواه ومكوناته المتعدّدة. هذا المجتمع الذي تقع عليه مسؤوليّة المبادرة لإعادة هيكلة الحياة العامّة، ويكون بالإمكان بناء نظام أو سلطة، توفر شروط الأمان اللازمة. إنها لحظة الذهاب في طريق اللاعودة، أو التنازل عن الحقوق الطبيعية والمكتسبة، وإطلاق رموز العبث والحماقة لتتحكم بمجريات حياتنا.

مناسبة 4 آب ليست ذكرى استحضار الألم، بل للقول إنّ هنالك مهمّة لم تنجز بعد، مهمّة لا تقتصر على الكشف عن المسببين والفاعلين فحسب، بل عتق لبنان من سطوة نفوذهم المستمرة وتطهير الساحات والهياكل من دنس حضورهم المنتشر بأريحية. هي مهمة لم تعد سياسية، بل وجودية، تتعلق بحقيقة الكيان اللبناني ونمط العيش الذي يرتضيه اللبنانيون لأنفسهم.

4 آب، مناسبة تضع لبنان كمجتمع متنوع ومتعدّد، وكشعب صاحب القول الأخير في تقرير مصيره وحسم خياراته، أمام اختبار وجودي غير مسبوق، في أن يثبت أنه يملك، لا إرادة البقاء فحسب، بل إرادة الارتقاء بالحياة وتوفير الشرط الإنساني، الذي يطلق طاقة وحرية الإنسان إلى أقصاها. أمام أن يتحرّر من ثقافة القبيلة التي أفرزها الواقع الطائفي، أمام أن ينعتق من عبودية مقنعة تتستّر بإسم الهوية المقنعة، والقائد الملهم والزعيم الأب.

أمام تحدّ لا أن ينزل إلى الشارع، ويطلق احتجاجاته واستنكاراته فحسب، بل أن يعيد هندسة الشارع وإضاءته، بروح الإصرار العنيد والاندفاع المقتحم، لتحطيم الأصنام المجوفة وإسقاط الآلهة المتضخّمة والمتخمة بالتفاهة، تمهيدًا لخلق واقع آخر أكثر نبلًا وأشد إنسانية.

اخترنا لك