التفرّغ حقّ… لا حصّة طائفية
إنّ المسؤولية تقع على من يملك صلاحية الحلّ والقرار، لا على من يمارس حقه في المطالبة. فالجامعة لا تُحمى بتعطيل حقوق أساتذتها، ولا بإبقاء التعاقد بالساعة قاعدة دائمة، ولا بتحويل ملف أكاديمي إلى ملف محاصصة.
بقلم د. هانيا فقيه و د. كلير فخر الدين
خاص بوابة بيروت
بعد الخيبة التي مُنينا بها في العاشر من أيلول، أعلنا إضراباً موحّداً في كليات الجامعة اللبنانية، ولم يكن هذا الإضراب خياراً أولياً، بل جاء بعد استنفاد سبل المطالبة والانتظار، دفاعاً عن استحقاق أكاديمي وقانوني يمسّ 1690 أستاذاً و1690 عائلة، ويمسّ في الوقت نفسه انتظام الجامعة الوطنية واستقرارها.
إنّ تفرّغ الأساتذة المتعاقدين المستوفين للشروط ليس منّةً سياسية ولا امتيازاً فئوياً، ولا حصة تُوزّع بين الطوائف، بل استحقاق تحكمه قواعد القانون ومبادئ الدستور ومعايير الكفاءة والحاجة الأكاديمية والجدارة والعدالة.
أولاً: في الدستور – المناصفة ليست قاعدة عامة
تبدأ المسألة من الدستور، لا من التسويات السياسية ،
فقد كرّست مقدمة الدستور مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل، ونصّت المادة السابعة على أنّ اللبنانيين سواء لدى القانون، كما أكدت المادة الثانية عشرة أنّ لكل لبناني الحق في تولّي الوظائف العامة، ولا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة. أما المادة 95، فقد جعلت الاختصاص والكفاءة أساساً في الوظائف العامة، وحصرت المناصفة، في المرحلة الانتقالية، بوظائف الفئة الأولى وما يعادلها. وهذه المبادئ الدستورية مترابطة، ولا يجوز تطبيق بعضها بما يؤدي إلى تعطيل بعضها الآخر.
وبتطبيق هذه الأحكام الدستورية على ملف التفرّغ، تكون النتيجة واضحة: إذا كانت المناصفة التي نصّ عليها الدستور مرتبطة بوظائف الفئة الأولى وما يعادلها، فلا يجوز تحويلها إلى قاعدة عامة تحكم كل استحقاق إداري أو أكاديمي، ولا يجوز التعامل مع ملف التفرّغ وكأنه من وظائف الفئة الأولى التي تستوجب حكماً توازناً طائفياً في أعداد المستفيدين.
فإخضاع التفرّغ لمعادلة «ستة وستة مكرّر» يعني عملياً توسيع نطاق المناصفة إلى مجال لم يحدده الدستور، وتحويل الاستثناء الدستوري إلى قاعدة عامة، واستبدال معيار الاستحقاق والجدارة بمعيار الانتماء الطائفي، وهذا لا ينسجم مع المادة 95، بل يناقض منطقها وغايتها.
فالمناصفة ليست قاعدة دستورية تُستدعى في كل استحقاق عام، ولا يجوز أن تتحول إلى أداة لتعطيل حق أكاديمي أو استبعاد مستحق لمجرد انتمائه الطائفي. وحيث لا يفرض الدستور أو القانون توزيعاً طائفياً، يبقى الأصل هو المساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق والجدارة.
إنّ الانتماء الطائفي لا يمكن أن يكون، في ملف لا ينص القانون على طائفيته، سبباً لتقديم أستاذ مستحق أو تأخير آخر أو استبعاده. فالدستور لا يجعل المواطن مستحقاً لحقه بحسب طائفته، ولا يجعل المساواة بين اللبنانيين مساواة بين حصص الطوائف.
ثانياً: في القانون – التفرّغ حاجة قانونية لا منحة سياسية
ينظّم القانون رقم 75/67 تاريخ 26 كانون الأول 1967 تنظيم الجامعة اللبنانية، كما ينظّم القانون رقم 6/70 تاريخ 23 شباط 1970 عمل أفراد الهيئة التعليمية فيها، ويحددان الإطار القانوني للهيئة التعليمية وشروط عملها والتعاقد والتفرّغ. وقد أكدت الأنظمة التنظيمية اللاحقة للجامعة أن التعاقد بالتفرّغ وبالساعة يتم وفق الأصول القانونية المعتمدة.
وتكتسب المادة الخامسة من القانون رقم 6/70 أهمية خاصة، إذ نصّت على ألا تنخفض، بعد انقضاء المدة التي حددها القانون، نسبة ساعات التدريس الموكلة إلى أفراد الهيئة التعليمية المتفرغين، من متعاقدين وداخلين في الملاك، عن 80% من مجموع ساعات التدريس المقررة في مختلف فروع الجامعة.
ومغزى هذا النص واضح: المشرّع لم يجعل التعاقد بالساعة هو الأصل الدائم في الجامعة، بل وضع حداً قانونياً واضحاً يضمن أن يكون القسم الأساسي من العملية التعليمية بعهدة هيئة تعليمية مستقرة، متفرغة أو داخلة في الملاك، وأن تبقى الاستعانة بالمتعاقدين بالساعة ضمن حدود الحاجة التي تفرضها طبيعة العمل الأكاديمي.
ومن ثمّ، فإن استمرار الاعتماد الواسع والمزمن على الأساتذة المتعاقدين بالساعة، مع تراكم أعداد المستوفين للشروط والحاجات الأكاديمية، لا يمكن أن يتحول إلى وضع دائم يناقض الغاية التي رسمها المشرّع لتنظيم الهيئة التعليمية.
كما أنّ ممارسة الإدارة لصلاحياتها في هذا المجال ليست مطلقة، بل تخضع لمبدأ المشروعية، وللمساواة، ولعدم التمييز، ولوجوب اعتماد معايير موضوعية قابلة للتبرير والرقابة. ولا يجوز أن تُستبدل المعايير القانونية والأكاديمية باعتبارات طائفية لا تستند إلى نص تشريعي.
ثالثاً: في الواقع والعدالة – الأستاذ ليس رقماً طائفياً
يشكّل الأساتذة المتعاقدون بالساعة نحو 70% من أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية. وهذه النسبة تكشف خللاً بنيوياً في تركيبة الهيئة التعليمية، وتؤكد أنّ معالجة ملف التفرّغ ليست مطلباً فردياً أو نقابياً محضاً، بل مسألة تتصل مباشرة بانتظام المرفق الجامعي وبحق الطلاب في جامعة مستقرة وهيئة تعليمية مستقرة.
وفي هذا الإطار، لا يجوز أن تتحول العدالة إلى حسابات عددية بين الطوائف. فإذا كان عدد المستوفين للشروط من طائفة أكبر من عدد المستوفين من طائفة أخرى، فهذه ليست مخالفة دستورية تستوجب إسقاط حقوق المستحقين، لأن الدستور لم يفرض التساوي العددي بين الطوائف في كل استحقاق عام.
العدالة هنا ليست أن يأخذ كل فريق العدد نفسه، بل أن يحصل كل مستحق على حقه وفق معايير موضوعية وموحّدة: الكفاءة، الاختصاص، الأقدمية، الحاجة الأكاديمية وسائر المعايير التي يفرضها القانون.
أما تحويل هذه المعايير إلى ميزان طائفي، فيؤدي إلى نتيجة خطيرة: يصبح الأستاذ مستحقاً لا لأنه الأكفأ أو الأقدم أو الأكثر حاجة إليه أكاديمياً، بل لأن طائفته تحتاج إلى رقم إضافي في جدول التوازن. وعندها لا يعود التفرّغ تطبيقاً للقانون، بل يصبح توزيعاً سياسياً للاستحقاقات الأكاديمية.
وهذا ما نرفضه تحديداً: لا نريد حقاً لطائفة على حساب طائفة، ولا نريد أن يُستبعد مسلم لأن حصته اكتملت، ولا أن يُستبعد مسيحي للسبب نفسه. نريد قاعدة واحدة تطبق على الجميع، لأن المساواة الحقيقية هي وحدة المعيار، لا تساوي الحصص.
إنّ حقوق 1690 أستاذاً لا يجوز أن تبقى رهينة حسابات طائفية لا يفرضها الدستور ولا ينص عليها القانون. فالحق الفردي لا يتحول إلى حق طائفي لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى طائفة، والاستحقاق الأكاديمي لا يصبح قابلاً للتجزئة بحسب الانتماء المذهبي.
رابعاً: في الإضراب – ممارسة حق لا طلب إذن
لقد وصل الأساتذة إلى الإضراب بعدما استُنفدت وسائل المطالبة، وبعدما أصبح استمرار الوضع القائم مساساً بحقوقهم وباستقرار الجامعة.
والإضراب، في هذه الحالة، ليس رفضاً للقانون، بل ممارسة لوسيلة نقابية مشروعة للدفاع عن حقوق نتمسّك بأن الدستور والقوانين تحميها. ولا يجوز قلب المعادلة وتحميل الأساتذة مسؤولية اضطراب العمل الجامعي، فيما يبقى أصل المشكلة هو عدم حسم استحقاق طال انتظاره.
نحن لا نطالب بامتياز خارج القانون، ولا نقبل أن تُختزل حقوقنا في تسوية سياسية أو توازن عددي لا سند دستورياً أو تشريعياً له. ونرفض أن يصبح التهديد أو الضغط أو التأجيل وسيلة لإسكات المطالبة بحقوقنا.
لقد أصبح موقفنا واضحاً: نريد تطبيق الدستور والقانون، لا تفسيرهما وفق موازين القوى؛ ونريد معايير واحدة لجميع الأساتذة، لا معايير تتبدل بحسب الطائفة؛ ونريد قراراً يحفظ حق المستحقين ويصون الجامعة اللبنانية، لا تسوية تؤجل المشكلة وتعيد إنتاجها.
ومن هنا، فإنّ المسؤولية تقع على من يملك صلاحية الحلّ والقرار، لا على من يمارس حقه في المطالبة. فالجامعة لا تُحمى بتعطيل حقوق أساتذتها، ولا بإبقاء التعاقد بالساعة قاعدة دائمة، ولا بتحويل ملف أكاديمي إلى ملف محاصصة.
سنبقى متمسكين بمطلبنا ضمن الإطار الدستوري والقانوني والنقابي المشروع، لأن القضية ليست قضية أستاذ أو طائفة، بل قضية دولة تطبق قانونها، وجامعة تحمي معاييرها، ومواطنة تساوي بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير