الرابع من آب… حين توقف الزمن وما زالت العدالة تنتظر

بقلم رياض عيسى – بوابة بيروت تنشر مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠

في الرابع من آب، لا تستعيد بيروت ذكرى انفجار المرفأ، بل تستعيد لحظةً ما زالت تعيشها كل يوم. فالزجاج الذي تحطّم أُعيد تركيبه، وكثيرٌ من الأبنية المدمّرة رُمِّمت، لكن القلوب التي انكسرت لم تجد بعدُ من يرمّمها، والعدالة التي وُعد بها اللبنانيون ما زالت مؤجَّلة.

الانفجار الذي قسّم تاريخ الوطن

ليس الرابع من آب مجرد تاريخٍ في الروزنامة اللبنانية، بل هو يومٌ انقسم فيه عمر الوطن إلى مرحلتين: ما قبل الانفجار وما بعده. ففي لحظاتٍ قليلة، دوّى الانفجار الذي هزّ بيروت وأصاب لبنان من أقصى شماله إلى جنوبه، فغيّر وجه العاصمة، وترك في ذاكرة اللبنانيين جرحًا لم يندمل، مهما تعاقبت السنوات.

في ذلك المساء المشؤوم، لم يكن الضحايا مجرد أرقام. كانوا شبابًا وشاباتٍ خرجوا إلى أعمالهم ولم يعودوا، وأمهاتٍ وآباءً فقدوا فلذات أكبادهم، وأطفالًا استيقظوا على وطنٍ لم يعد يشبه الأمس. امتلأت المستشفيات بالجرحى، وتحولت الأحياء المحيطة بالمرفأ إلى مدينةٍ منكوبة، فيما امتدت آثار الانفجار إلى كل بيتٍ لبناني، ولو لم تطله شظايا الزجاج والحجارة.

لبنان الذي نهض من بين الركام

لكن، وسط الركام، بزغ وجهٌ آخر للبنان. فقد تدفّق آلاف المتطوعين إلى العاصمة من مختلف المناطق، يحملون المكانس والمعاول والمواد الغذائية والأدوية، يزيلون الركام، ويرمّمون البيوت، ويواسون المنكوبين. يومها، بدا اللبنانيون دولةً عندما غابت الدولة، وأثبت المجتمع أنه أقوى من الانقسام حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان.

غير أن إزالة الركام كانت أسهل بكثير من إزالة آثار الكارثة من النفوس. فما زالت الأمهات ينتظرن عدالةً تُنصف أبناءهن، وما زالت العائلات تعيش على وقع الأسئلة نفسها: من المسؤول؟ كيف حصل هذا الإهمال؟ ولماذا لم يُحاسَب أحد حتى اليوم؟

العدالة المؤجَّلة

ستّ سنواتٍ مضت، وما زالت آثار الانفجار ماثلةً في بعض شوارع بيروت، لكنها أكثر حضورًا في قلوب أهالي الضحايا والناجين. فالذاكرة لا تُرمَّم كما تُرمَّم الأبنية، والعدالة المؤجَّلة لا تخفف من ثقل الفقد، بل تزيده وجعًا.

ويأتي إحياء هذه الذكرى فيما يعيش لبنان سلسلةً متواصلةً من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى بدا أن الوطن ينتقل من محنةٍ إلى أخرى من دون أن يلتقط أنفاسه. ومع ذلك، يبقى الرابع من آب مختلفًا، لأنه يختصر سؤال الدولة بكل أبعاده: هل يمكن لوطنٍ أن ينهض من دون محاسبة؟ وهل يمكن للمصالحة مع الماضي أن تتحقق قبل كشف الحقيقة كاملة؟

ينتظر اللبنانيون أن يقول القضاء كلمته، وأن تصل التحقيقات إلى خواتيمها، بعيدًا عن الضغوط والتجاذبات، لأن العدالة ليست مطلبًا خاصًا بعائلات الضحايا، بل هي حقٌّ لكل اللبنانيين، وضمانةٌ لئلّا تتكرر المأساة.

الحقيقة قبل الخطابات

في الرابع من آب، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطاباتٍ جديدة، بل إلى حقيقةٍ واضحة، وعدالةٍ ناجزة، ودولةٍ تحمي أبناءها بدل أن تتركهم أسرى الإهمال. فالأوطان لا تُبنى بالنسيان، بل بالمحاسبة، ولا تُصان الذاكرة إلا عندما تتحول المأساة إلى درسٍ يمنع تكرارها.

سيبقى الرابع من آب جرحًا في قلب بيروت، لكنه سيبقى أيضًا اختبارًا لضمير دولةٍ لم تُنهِ بعدُ واجبها تجاه ضحاياها، ووطنٍ ما زال يحلم بأن يكون القانون فيه أقوى من الإهمال، والحقيقة أقوى من الصمت.

قد يستطيع الزمن أن يخفف وطأة الألم، لكنه لا يصنع العدالة. وفي الرابع من آب، لا يطالب اللبنانيون بالمستحيل، بل بحقٍّ بسيط: أن يعرفوا الحقيقة، وأن يُحاسَب كلُّ من قصّر، حتى لا يصبح هذا الانفجار مجرد ذكرى سنوية تُستحضر بالشموع والزهور، فيما يبقى الوطن رهينة الإهمال والإفلات من العقاب.

ستبقى هذه الذكرى مناسبةً لتجديد المطالبة بالحقيقة والعدالة، وسيأتي يومٌ يُكتب فيه عن الرابع من آب بوصفه جرحًا وجد طريقه إلى الإنصاف، لا جرحًا ظلّ مفتوحًا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك