بقلم د. كلير فخرالدين – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
لا يستحضر الرابع من آب في الذاكرة الوطنية مشهد كارثة فحسب، بل يفرض إعادة التفكير في معنى الدولة ووظيفتها. فقد تحوّل هذا التاريخ إلى محطة مفصلية في الوعي اللبناني، تُعاد من خلالها مساءلة السياسات العامة، وكفاءة المؤسسات، ومدى قدرتها على حماية الإنسان والمجتمع والمقدرات الوطنية.
لقد رسّخت التجارب الدستورية والإدارية الحديثة مبدأً واضحًا مفاده أنّ وظيفة الدولة لا تقتصر على إدارة الشأن العام، بل تمتدّ إلى توفير بيئة آمنة تكفل الحقّ في الحياة والحقّ في الأمان، وتحمي الأفراد، والأعيان المدنيّة، والمرافق العامّة، والبنى التحتيّة، والمقدّرات الاقتصاديّة، باعتبارها جميعًا عناصر مترابطة لا يستقيم الأمن الوطني من دونها.
ومن هنا، فإنّ مسؤوليّة الدولة لا تبدأ بعد وقوع الكارثة، بل قبلها. فهي مسؤولة عن بناء منظومة متكاملة للوقاية، وإدارة المخاطر، والتخطيط، والرقابة، والاستجابة الفاعلة، بما يحول دون تحوّل الأخطار المحتملة إلى مآسٍ وطنية. فالدولة الحديثة مطالبة بإرساء سياسات عامّة تقوم على الاستباق لا على ردّ الفعل، وعلى منع الخطر قبل إدارة نتائجه، لأنّ حماية الإنسان ليست إجراءً لاحقًا، بل التزام أصيل يسبق وقوع الضرر.
كما أنّ حماية الأعيان المدنيّة والاقتصاديّة ليست مسألة إداريّة فحسب، بل هي التزام قانونيّ وأخلاقيّ، لأنّها تمثّل حماية لحياة الناس، واستقرارًا المجتمع، واستمرارية الاقتصاد، وانتظام المرافق العامة. فأيّ خلل يصيب هذه المنظومة ينعكس مباشرة على الأمن الإنساني، وعلى ثقة المواطن بمؤسّسات دولته، وعلى قدرة الدولة نفسها على أداء وظائفها الأساسيّة.
وفي المقابل، تبقى العدالة إحدى الركائز التي لا غنى عنها في بناء الثقة العامّة. فهي ليست أداة للانقسام، ولا وسيلة لتغذية النزاعات، بل حقّ أصيل يكرّس احترام الكرامة الإنسانيّة، ويعزّز سيادة القانون، ويؤكّد أنّ حماية الإنسان لا تكتمل إلا بقيام مؤسّسات مستقلة وقادرة على أداء دورها وفقًا لأحكام القانون، بما يصون حقوق الأفراد ويعزّز ثقة المجتمع بالدولة.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أنّ الكوارث الكبرى دفعت كثيرًا من الدول إلى مراجعة تشريعاتها، وتطوير أنظمتها الإداريّة، وتعزيز معايير السلامة والرقابة، وإرساء سياسات أكثر كفاءة في إدارة المخاطر. وهكذا تحوّلت الذاكرة من مجرّد استعادة للمأساة إلى قوّة دافعة للإصلاح، ومن حدث مؤلم إلى فرصة لإعادة بناء مؤسّسات أكثر قدرة على حماية الإنسان وصون المصلحة العامّة.
إنّ ما ينبغي أن يبقى من الرابع من آب ليس الألم وحده، بل الدرس الذي يفرضه على الدولة ومؤسّساتها؛ درس الوقاية، والتخطيط، والرقابة، والمسؤوليّة، حتى لا تتكرّر المآسي، وحتّى تصبح حماية الإنسان، وصون الأعيان المدنيّة والاقتصاديّة، والحفاظ على البيئة والمرافق العامّة، ركائز ثابتة في السياسات العامّة، لا استجابةً استثنائيةً تفرضها الكوارث.
ويبقى الوفاء الحقيقي للرابع من آب في تحويل الذاكرة إلى مسؤوليّة وطنيّة دائمة؛ مسؤوليّة تؤسّس لدولة أكثر كفاءة، وأكثر شفافيّة، وأكثر قدرة على صون الحقوق والحرّيّات. فالدولة التي تحمي الإنسان لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تبني مؤسّسات قادرة على الوقاية منها، وتضع سلامة الإنسان، وحماية المجتمع، وصون مقدرات الوطن، في صلب تشريعاتها وسياساتها العامّة. وعندها فقط، تصبح الذاكرة فعلًا مؤسّسًا للمستقبل، لا مجرّد استحضارٍ للماضي، ويغدو الرابع من آب محطّة وطنيّة تؤكّد أنّ بناء الدولة يبدأ ببناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وجعل الحقّ في الأمان التزامًا دائمًا لا يقبل التأجيل.
