بقلم د. داود فرج – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
لا تزال قضيّة تفجير مرفأ بيروت قضيّةً مركزيّة، رغم كلّ ما أصاب البلد، ولا سيّما الجنوب اللبناني، من مشاهد تدميريّة على شاكلة تفجير المرفأ، وإن اختلفت الأدوات في بعض الأماكن، إلا أنّ المشهد يتكرّر من بقعة جغرافيّة إلى أخرى. والثابت في الموضوع أنّ المشاركين في تفجير المرفأ هم أنفسهم المشاركون في تدمير القرى، على النّسق نفسه، بوصفه امتدادًا لحالة المرفأ.
فلو استطاع البلد حلّ قضية المرفأ آنذاك، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. بمعنى أنّ المشكلة تقوم على ثلاثة أقانيم:
الأول : يتمثّل بالفاسدين داخل النظام اللبناني، من أعلى الهرم إلى أدناه، الذين باعوا مؤسسات الدولة، أو أجزاءً منها، عن طريق السمسرات، لمن يدفع لهم أكثر.
الثاني : إنّ حزب الله استفاد من هذا الوضع، وبسط سلطته على أهمّ مفاصل البلد الحيويّة، على الأرض وفي رأس النظام، تحت عنوان «المقاومة».
الثالث : يتمثل بالعقل التلمودي داخل الكيان الإسرائيلي.
وهذه الثلاثيّة لا تزال قائمة، إلى حدّ كبير، داخل المجتمع اللبناني، رغم المتغيرات التي حدثت، ولا يمكن تخطي هذه المشكلة التي تهدّد الكيان اللبناني من دون فهمٍ مجتمعيٍّ، ومن دون وعيٍ لبناني جامع لاستعادة الدولة وتحريرها من الاستباحة.
والضحية في هذه الثلاثيّة واحدة: أبناء هذا الوطن. إلا أنّ المشكلة تكمن في أنّ الغالبية منهم مضلَّلون ومنقسمون، وهم الوقود لمشاريع لا تخصّهم ولا تنفعهم.
وبالعودة إلى حادثة المرفأ، فإنّ الإسرائيلي اعترف، منذ اللحظة الأولى لتفجير المرفأ، ثمّ نفى ذلك بعد التفجير الثاني المهول، الذي شُبِّه بقنبلة ذريّة. وكان أول خطاب سياسي رسمي للسيد حسن نصر الله، بعدما نفى نفيًا تامًّا أن يكون لإسرائيل علاقة بذلك. وكان هذا مستغربًا، بحجم هذه الكارثة، إذ كيف نبرئ العدو، رغم كثرة الدلائل التي أشارت إلى تورّط الطيران الإسرائيلي في ذلك؟ وهذا يفسّر، أو يؤكّد، علاقة الحزب بموادّ كانت موجودة داخل المرفأ.
إذًا، فهذان طرفان مشاركان في عملية التفجير، بغض النظر عمّن كان له الحقّ أو خلاف ذلك. فبالنسبة إليَّ، كمواطن لبناني، أرى النتيجة، وهي سقوط عدد كبير من الضحايا، وتهجير مئات العائلات، وسقوط الكثير من الجرحى، وتهدّم البيوت.
أما الطرف الثالث في الجريمة، فهو الفاسدون في النظام اللبناني، الذين سمحوا بوجود موادّ غير آمنة بين الناس، والذين حاولوا، وما زالوا يحاولون، تعطيل مسار التحقيق. ومع ذلك، تبقى النتيجة واحدة، وهي أن المواطن هو الضحية.
من هنا، أقول إنّه لو استطعنا، كدولة، حلّ تلك المشكلة، بمعنى أنّ المحاكمات أخذت مجراها، لكان كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة، الشركاء في الجريمة، قد نال عقابه، ولما وصلنا إلى حرب إسناد لغزة، ولا إلى حرب إسناد لإيران، ولما تجرأ الإسرائيلي على ارتكاب ما يرتكبه من جرائم لا تزال مستمرة.
وبالمناسبة، فإنّ أخلاقيّات الجيش الإسرائيلي، التي كنّا نعرفها قبل التحرير عام 2000، لم تعد موجودة بعد صعود التيار الديني إلى سدّة الحكم لديهم.
وهذا لا ينفي طبيعتهم العدوانيّة، إلا أنّ المعايير قد تبدّلت، وباتت الممارسات أكثر وحشيّة ضدّ العزّل، ولا سيّما في فلسطين المحتلة.
أما اليوم، فما يحدث في البلد هو مواجهة حقيقيّة لهذه الثلاثيّة. فعلى رأس الحكم لدينا رئيس جمهورية ورئيس حكومة يختلفان عن منظومة الفساد السابقة، وهذا يشكّل إسفينًا في قلب الفساد، يجب تقويته والالتفاف حوله للقضاء على منظومة فاسدة، هي أسوأ من الاحتلالين، لأنها تجعل من وطننا ساحة معركة للآخرين.
ونقطة التحول الثانية تتمثّل في أنّ حزب الله فقد لبنانيته، وأصبح في العراء. وبقيت لدينا الحالة الثالثة، وهي حصار الإسرائيلي دوليًّا لإجباره على الخروج من أرضنا.
وبناءً على ذلك، إن صحّ هذا التشخيص، فإنني أدعو جميع اللبنانيّين إلى التكافل والتضامن الحقيقي بين مختلف المناطق، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، لاغتنام فرصة تاريخيّة لتحرير البلد وإقامة الدولة التي نحلم بها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
