بيروت… لن يُدفن الحق تحت الركام

بقلم محمد الزيات – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠

في الرابع من آب، لم ينفجر مرفأ بيروت فقط، بل انفجر وجعُ وطنٍ بأكمله. سقط الشهداء، وتناثرت البيوت، وتحطَّمت الأحلام، لكنَّ شيئًا واحدًا بقي صامدًا لا يعرف الانكسار: إرادةُ اللبنانيين في معرفة الحقيقة.

لم يكن انفجارُ المرفأ مجرد كارثةٍ عابرة، بل جريمةً تركت جرحًا مفتوحًا في قلب كلِّ لبناني. جرحٌ لا يندمل بالوعود، ولا تمحوه السنوات، ولا تُطفئه محاولاتُ النسيان؛ لأنَّ دماء الأبرياء ليست أرقامًا في السجلات، بل أمانةٌ في أعناق كلِّ من يؤمن بأنَّ العدالة أساسُ الأوطان.

خرج أهالي الضحايا من تحت ركام الحزن، لا يحملون سوى صور أحبائهم وحقهم المشروع في معرفة الحقيقة. رفضوا أن يُدفن أبناؤهم مرتين: مرةً تحت الأنقاض، ومرةً تحت ركام المماطلة والصمت. فكانت صرختهم أعلى من كلِّ محاولات إسكاتها، ورسالتهم واضحة: لا عدالةَ مؤجَّلة، ولا حقيقةَ قابلةً للمساومة.

ولم تقتصر هذه المواجهة على أهالي الضحايا وحدهم، بل تحوَّلت إلى قضيةٍ وطنيةٍ جامعة، التقت حولها شرائح واسعة من اللبنانيين الذين رأوا في معركة الحقيقة دفاعًا عن الدولة نفسها، لا عن الضحايا فحسب.

ومن قلب هذه المعركة، وقف المجتمع المدني اللبناني إلى جانبهم، لا بحثًا عن مكسب، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان وحقِّه في الحياة والعدالة. واجتمعت الجمعيات، والمتطوعون، والنقابات، والشباب، فأزالوا الركام، وضمدوا الجراح، ورفعوا الصوت عاليًا في وجه كلِّ محاولةٍ لطمس الحقيقة. وأثبتوا أنَّ الشعوب الحيَّة لا تستسلم، وأنَّ قوة الوطن تنبع من تضامن أبنائه.

إنَّ بناء بيروت لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل يبدأ ببناء دولةٍ تحترم القانون، وتحاسب المسؤول، وتحمي حياة مواطنيها. فلا قيمة لعاصمةٍ تُرمَّم جدرانها إذا بقيت العدالة مهدَّمة، ولا معنى لوطنٍ ينهض عمرانيًّا فيما تبقى الحقيقة أسيرة التأجيل.

ومن هنا، فإنَّ إعادة الإعمار الحقيقي لا تُقاس بما يُشيَّد من أبنية، بل بما يُرسَّخ من عدالةٍ ومحاسبةٍ تمنع تكرار المأساة.

اليوم، ليست معركةُ أهالي الضحايا معركةَ عائلاتٍ فقدت أبناءها فحسب، بل هي معركةُ كلِّ لبناني يؤمن بأنَّ الوطن لا يقوم إلا على العدالة والمساءلة. إنَّها معركةٌ من أجل مستقبلٍ لا يخاف فيه المواطن من الإهمال، ولا يدفع حياته ثمنًا للفساد أو التقصير.

ستبقى بيروت، رغم الجراح، مدينةً لا تنحني. وستبقى أصوات الأمهات والآباء والناجين تنادي بالحقيقة حتى تتحقق العدالة؛ فالأوطان لا تُبنى فوق النسيان، بل فوق المحاسبة، والكرامة، واحترام الإنسان.

سيبقى الرابع من آب شاهدًا على الألم، لكنه سيبقى أيضًا شاهدًا على شعبٍ رفض أن يُهزم، وآمن بأنَّ الحق لا يموت، وأنَّ بيروت، مهما أثقلتها الجراح، ستنهض من جديد؛ لأنها مدينةٌ خُلقت لتقاوم، لا لتنكسر.

اخترنا لك